المستشار سامح عبدالله يكتب:رمزية الجمال .. ! "أنا شرين أبو عاقلة"
بقلم المستشار/ سامح عبدالله
كل النساء اللاتى دخلن حياتى كن رمزاً لأشياء لا تتكرر.
أعترف أننى ممن يمتلكون سجلاً ذهبياً لهؤلاء اللاتى سطرن بداخلى ما يشبه تلك الرموز التى حفرها القدماء بجدران المعابد فاحتاجت آلاف العقود حتى نستطيع أن نفك طلاسمها وفى النهاية بقيت الطلاسيم. بقيت مدثرة فى هذا الوهج ينتصر على التلاشى الذى هو أحد مفردات الزمن.
فى طفولتى تعلمت مبكراً من أمى أن المرأة رمزاً ثم رأيت كل رمز فى أمى.
نشأت على احترام الرمز فى المرأة.
لا ملامح لا سمت لا جسد لا جوارح دون رمز.
اختبأت عنى فى الصبا مراهقة الصبيان.
أحببت الرمز فى المرأة.
أحببت مدرسة التاريخ لأنها كانت رمزاً تؤمن برسالة ما تقدمه لنا وتلتقطه جوارحى.
لا أستطيع أن أصف لك جمال المرأة دون رمز.
يسقط الجمال بلا رمز.
للجمال قصة كبيرة مع الإغريق أكثر الشعوب التى تكلمت عن رمزية الجمال حتى اعتبرته إلهً فى أساطيرها.
كل الفلاسفة تكلموا عن الجمال كرمز وليس كمادة.
المادة تخضع لقانون السوق مهما بهظ ثمنها.
الرمز يخرج عن دائرة السوق لأنها دائرة تفنى. يدخل دائرة الخلود لأنها تبقى.
أكثر النساء اللاتى آثارونى كن رمزاً لا أذكر ملامح امرأة إلا إذا كانت رمزاً.
أذكر فى سنوات العمل بالنيابة أننى قابلت نماذج من تلك الرموز اللاتى ما إن استدعيت قصصهن إلى ذاكرتى حتى أقف مشدوهاً أمام عظمة الرمز المشع فيهن أبدا.
تلك الطبيبة التى أدلت بشهادتها عن اللحظات الأخيرة فى حياة المجنى عليها التى كانت تعالج من حروق من الدرجة الثالثة وقد غيرت شهادتها مجرى القضية.
لا أذكر ملامح الطبيبة لكننى أذكر الرمز المشع فيها.
وأذكر تلك الأم التى
ماتت ابنتها وهى تجرى عملية اجهاض خارج القانون ولم تكن تعلم بحملها.
عند سؤالها وكان الأمر مؤلماً للغاية ربما يتجاوز قدرة البشر فاجأتنى المرأة بصبرها واحتسابها وبغفرانها لابنتها التى ُظُلمت كثيراً فى حياتها
تعلمت منها كيف يكون الغفران الحقيقى.
لا أذكر ملامحها التى توشحت بالحزن لكنى أذكر الرمز المشع فيها.
فوق منصة القضاء دافعت الأم عن ابنها مريض الصرع وقدمت ما يناقض كل كلمة فى تقرير الصحة النفسية.
لا أذكر ملامح المرأة لكنى أذكر الرمز المشع فيها.
أذكر تلك الأم التى قالت بأعلى صوت للمحكمة: أنا التى قتلت ابنتى وحدى. قتلتها ، لم يشترك معى أحد من أشقائها.
قتلتها وحدى وظلت تسرد اعترافاً بجرم لم ترتكبه فداءً لأبنائها.
لا أذكر ملامح المرأة لكنى أذكر الرمز المشع فيها.
أخبرنى وكيل النيابة المحقق فى قضية مقتل أم حرقاً على يد ابنها أنه عندما توجه إلى المستشفى لسؤالها لم يستطع أن يسألها لسوء حالتها لكنها كانت تهذى قبيل اسلام الروح: قائلة أن ابنها برئ وأنها هى التى أشعلت فى نفسها النيران.
واقعة الحرق كانت مسجلة بكاميرا تسجيلاً فائق الوضوح والابن اعترف بارتكابها لكن الأم أرادت أن تذهب إلى الله بهذا الفداء.
لم أر ملامح الأم لكننى أرى الرمز المشع فيها.
يستحيل الجسد المحرر من الرمز محرراً أيضاً من كل قيمة حقيقية ليدخل إلى قيمة السوق التى تليق به.
ترسل لى صديقتى رسالة عجيبة وقت أن يتملكنى الوهن تقول لى:
تذكر أنك قوى وأن كثيرين يستمدون القوة من كلماتك.
أتعجب .. أية رسالة هذه أتسلمها وأنا فى ذروة ضعفى ووهنى وأية رسالة تلك التى تبث فى نفسى القوة فى لحظة أو أقل من لحظة.
صديقتى رمز جميل يشع فى جسد امرأة.
إن المرأة التى تستطيع أن تشع فى نفس يأخذ بريقها فى الخفوت تستحيل رمزاً.
لا أذكر يوماً أننى تعرضت لإغراء جسد.
لكننى أذكر كثيراً أننى وقعت تحت تأثير رمز وجاذبية عقل ومأثور موقف.
شرين أبو عاقلة كانت رمزاً.
إحدى السيدات اللاتى دخلن إلى نفسى ولن تغادرها.
كان صوتها رمزاً وملامحها رمزاً وصلابتها رمزاً.
معادلة المرأة الغانية تسقط تحت أقدام جسارتها ونعومة الصوت الآخاذ ذو الحروف المعوجة يتوارى خجلاً أمام رخامة الصوت الشجاع الذى لم يفقد ذرة واحدة من جماله الأنثوى الخالد.
معادلة الصوت العورة تتبدل إلى الصوت الشرف.
معادلة الجسد الفاتن تُمحق تحت وهج الروح الباقية.
حتى الأنا التى كانت تنطقها شرين تقول: أنا شرين أبو عاقلة كانت أعظم أنا فى التاريخ وأحب أنا فى التاريخ.
ولقد ساءلت نفسى كيف تحب الرمز دون لقاء وتلقيت الإجابة.
أى لقاء جسدى هذا الذى تتحدث عنه.
إن الرمز هو أعظم لقاء لأنه يقع بعيداً عن دائرة الجوارح ومن أجل ذلك يبقى إلى الأبد كروح هائمةً حتى يلتقى كل رمز مع من أحب.

