جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

السيد الزرقاني يكتب: قصة (انا ميت)

 أنا ميت!! 

*****

قصة قصيرة بقلم/السيد الزرقاني

***

  علي عجل ارتدي بدلته الأنيقة  ، وأمسك هاتفه الآيفون ينظر  فيه كم الساعة ؟! 

إنها تقترب من الثامنة والنصف ، لابد من النزول فورا ،  طفلته الصغيرة تسعى إليه ، تتعلق برقبته ، تقبله ، ترجوه ألا يتأخر ،  يضمها بشدة ويعدها ألا يتأخر ..

 يستعيد هيئته وأناقته أمام المرآه فيجد زوجته واقفه تتأمل ملامحه بعناية علي غير عادتها  ، تنظر إليه مليا، يباغتها بسؤال :

  ★"كله تمام ؟!" 

–تمام ياحبيبي ، خلي بالك من نفسك ..

يخرج مسرعا الي درجات السلم  يهبط الي آخر درجة  يتذكر أنه نسى حقيبة الأوراق ، حيث لقائه بالمحافظ اليوم ليعرض عليه مشروعه الاستثماري الضخم يعود مرة اخري، يفتح الباب ليجد زوجته تحتضن الصغيرة  وبشكل غريزي وعيناها سارحتان في أفق بعيد، ياتي بالحقيبة ويخرج متمتما بكلمات  في سره، يهبط الي سيارته، فوجد (استيكر) قد لصق علي الباب المجاور  لعجلة القيادة كتب عليه باللون الأحمر "أنا ميت" ،  استاء من الكلمة و أصابه القلق فذهب ليطمئن علي حال المحرك فوجد ذات الاستيكر علي الإطار الأمامي أيضا .. حاول الربط بين الإثنين وقف متسمرا في مكانه، هل هناك من سيلقي بنفسه امام السيارة فيموت و تنطلق صرخته  "أنا ميت؟!"  ليعطل مسيرتي وأفكاري  ويتخلص مني في غياهب السجن ؟! 

 إذا كان هذا مقصد الملصق على الإطار الأمامي فما مقصده من الملصق على الباب المجاور لعجلة القيادة؟! 

هل هناك من يتربص به وينتظر خروجه بالسيارة  ليصطدم به ويقتله ويتخلص منه، يتذكر تلك الحوادث التي تحدث للمشاهير والناجحين  ، ابتعد عن السيارة قليلا  فلمح بطرف عينيه ملصقا آخر علي مؤخرة السيارة  فذهب يتأمله ، و يتساءل ماهذا هل تم وضع قنبلة أسفل السيارة للتخلص مني ؟! 

انقبض قلبه وزادت ضرباته ، وقف يفكر ماذا يفعل .. 

قرر ألا ياخذ تلك السيارة وأن يستقل تاكسي في مشاويره اليوم فالوضع أصبح  أكثر تشاؤما ، هذا هو الحل الأمثل .. 

ترجل من أمام منزله الي أول الشارع الرئيسي خلف الإستاد الرياضي لتصطدم عيناه بفتاة نحيلة أمام المدرسة الثانوية للبنات ، الفتاة  ترتدي زيا بسيطا ترفع لافتة كتب عليها ذات الكلمة "انا ميت" ،  ذهب مسرعا إليها إعتقادا منه أنها  هي التي قامت بوضع الملصقات علي سيارته  كانت تقف علي الجزيرة الوسطى  للشارع  جري نحوها يسألها :  "في إيه ولماذا  ترفعين تلك اللافتة ؟! "

أشارت إلي سيارة سوداء  تقف أمام البوابة الرئيسية لمديرية الشباب والرياضة وقالت تلك السيارة الفارهة بها شخص معه امتحان مادة الجيولوجيا التي موعدها  اليوم  بمنح الأغنياء الامتحان مقابل خمسمائة جنيها بمجرد تحويلها على رقم الكاش تصل الأسئلة والإجابات علي الواتس ..

★★ "تخيل يا أستاذ بضغطة واحدة من هذا الشخص يمنح آلاف الطلاب الأغنياء حق التفوق والنجاح دون كلل أو تعب و يحرم الفقراء من هذا الحق أنا ميت شعار الفقراء في دولة صارت  للأثرياء ، الحصول فيها على كل شيء أنا بنت رجل فقير يكاد يطعمنا بالعافية في ظل هذا الغلاء الفاحش اجتهدت كثيرا ولكن كما ترى يمنح هؤلاء حق التفوق ..  بضغطتي زر ، أحدهما لضخ الفلوس والأخرى لإرسال الإمتحان بالإجابة" ..

 وقف حائرا وهو يري بعينيه ماتقوله تلك الفتاة البائسة ، اقترب قليلا من السيارة ليسمع ويتأكد بنفسه من الحقيقة  وكانت صدمة !  

حاول الخروج  من تلك الحالة  ، وترجل قليلا الي سور الإستاد فلمح رجلا مسنا يقف وسط القمامة يبحث عن بقايا الطعام لأولاده  ، وقد علق ملصقا علي ظهره الذي انحنى من قسوة الزمن وكتب عليه  "انا ميت" .. التفت يسارا  فوجد عجوزا  آخر يحاول قطع الطريق بعكازه الرباعي وقد علق على صدره ملصق "انا ميت" .. جرى  مسرعا إليه ليساعده علي عبور الطريق أمسك  به وسأله لماذا وضعت هذا الملصق  ؟!

تلعثم  الرجل و انحدرت الدموع من عينيه : 

★★★"كنت مربيا للأجيال على مدى أكثر من ثلاثين عاما تخرج من تحت يدي  الأطباء والمهندسون والضباط والمعلمون ، أديت مهمتي على أكمل وجه حتي وصلت إلى سن التقاعد ، و فوجئت بمعاش متدني لا يكاد يكفي طعامي أنا وأسرتي وكما ترى أعاني من مرض الرعاش  ولا أقدر على الحركة ، وليس لدي أي مدخرات لشراء الأدوية ، سأذهب الان إلى مستشفي التأمين الصحي رغم سوء المعاملة و تجبر الأطباء الذين كانوا في يوم من الأيام تلاميذي .. "أنا ميت" في دولة لا تهتم بالمعلمين الذين يفنون أعمارهم في تعليم أجيال ،  وهذه هي نهايتهم" .. 

 لم ينطق بكلمة واحدة طوال عبور الطريق من اليمين إلى اليسار في اتجاه التامين الصحي .. نظر إليه المسن شاكرا ، متسائلا :  "تفتكر انا كده عايش" ؟! 

رد عليه بصوته مخنوق : 

★ "ألف سلامة عليك يا حج" 

تذكر أنه علي موعد اليوم مع المحافظ وعليه أن يذهب إليه فورا  لمح تاكسي علي مقربه أشار إليه ، واجهه ذات  الملصق علي أبواب التاكسي "انا ميت " 

دلف مسرعا داخل التاكسي  قائلا للسائق مبنى المحافظ فنظر اليه السائق : "صعب يا أستاذ" , الوضع هناك رهيب ..  الشعب الميت هناك "

 ★وأنت حاطت تلك الملصقات ليه ؟!

★★★هو أنت مش بلدنا يا أستاذ ، أنا عندي التاكسي ومش عارف أعيش ولا أربي ولادي ، تجديد الرخصة خرب بيتي والناس من غلبها والغلاء الفاحش وغياب الدولة ، الناس بطلت تستخدم التاكسي وانتشار التكاتك وغيره يا أستاذ حالنا واقف "أنا ميت" انت هتروح فين؟!

★المحافظة يا اسطى ..  

★★★يا أستاذ أنت مش شكل الناس اللي هناك ! 

وصل علي مقربة من المبنى فوجد جموع من البشر يحيطون بمداخل المبنى يرفعون لافتات " انا ميت"

نزل بهدوء وانخرط في وسط الجموع واقترب من أحدهم  وسألهم أنتم جايبين الملصقات دي منين  فلم يرد عليه أحد إعتقادا أنه مخبر أمن دولة ! 

مر بين الجموع إلى الخارج و قرر العودة مرة أخرى بسيارته بما عليها من ملصقات ، وقف بها علي أطراف  المظاهرة و اشترى لافته كبيرة  كتب عليها "انا ميت" ، لكنه كان الوحيد الذي حضر بالسيارة و يرتدي بدلة راقية  ونظارة ثمينة أنيقة  ، اقترب منه شخص  يرتدي ملابس ممزقة منكوش الشعر يسأله : 

+"أنت هنا ليه؟! ، أنت مش مننا !"

رد عليه : 

★"انا ميت" أنا يادوب عندي عربية واحدة وغيري عنده أسطول عربيات أحدث الأنواع .. أنا عندي يادوب ڤيلا واحدة  .. غيري يمتلك عشرات من الڤيلات والشاليهات ، أنا دخلي فقط مائة ألف جنيها ، غيري دخله الملايين ، "أنا ميت" ..  

في طرفة عين انهال عليه المتظاهرون ضربا وسكبوا البنزين عليه وعلي السيارة وأشعلوا نارا ضارية ..

****

كاتب مصري


إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022