رزق الزرقاني يكتب:حرية العقيدة . والنظرة الإسلامية .
كتب /رزق الزرقاني
من أسس السلام في الإسلام ( حرية العقيدة ) .
كل حين وآخريظهر لنا خصومُ الإسلام في كل عصرليقوموا بتوجيه هذه التهمة؛ أن الإسلام انتشر بحد السيف،
والإسلام منها براء؛ فهو لم يُكره الناسَ على الإيمان بالسيف ولم يضعه على رقابهم ليشهدوا بشهادته أو يدينوا بعقيدته، فهذه التهمة باطلة. فمبدأُ السلام لا يقوم إلَّا على المساواة في الحقوق، ولو اختلف الناسُ في العقيدة، فالحياةُ الآمنةُ الحُرَّةُ العادلةُ حقُّ الإنسانِ،
ولا يَتَحَقَّقُ له العيشُ بأمنٍ وسلامٍ إلَّا إذا أَمِنَ على ما يعتقد بحرية كاملة، دون إكراه أحدٍ على ما يريد. فكانت كفالة الإسلام لحرية العقيدة لجميع الناس، أثبت ذلك القرآنُ الكريمُ قبل خمسة عشر قرنًا،
قال الله -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256]؛ لأن الدين فيه عقيدة تتحقق بالقناعة، والاطمئنان النفسي لما يعتقد ويؤمن به، ولا تتحقق حرية المعتقد للفرد والجماعة، إلا أن تكون بمحض الاختيار والقناعة الذاتية، حتى يظهر من خلالها عدلُ الله يومَ الحساب، فيثيبُ اللهُ المصيبَ صحيحَ الإيمانِ بالجنةِ، ويعاقبُ الكافرَ بالنارِ يومَ القيامةِ، ولا يظلمُ ربُّكَ أحَدًا.
وأما في هذه الدنيا فلكل وجهة هو موليها، قال تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البقرة: 148]، وله عقيدة سوف يُحاسَبُ عنها، وليس لنا إلا البلاغ والنصح المبين الواضح، قال تعالى ( فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ)[آل عمران: 20]، قال الله -تعالى- يأمر رسوله بأن يقول للكافرين صراحةً ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) [الكافرون: 6].
في هذه الآية يمنح اللهُ حريةَ المعتَقَدِ دون تدخُّل أو إلزام أو جبر، غير أنه -سبحانه- صرَّحَ مُحَذِّرًا الناسَ مِنْ اختيار عقيدةِ الكفرِ بِهِ -سبحانه- بقوله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)[البقرة: 108]. وقال أيضًا سبحانه: ( وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[النحل: 106]. هذا حكم الله في الآخرة.
وأما في هذه الدنيا: فكلُّ فَردٍ من ذرية آدم له حق اختيار العقيدة التي يريدها، وقد سمح الإسلامُ لجميع الناس؛ مهما اختلفت عقائدهم بممارسة طقوسهم التعبدية؛ ففي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نصَّ على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضارَّ أحدٌ منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود..."(كما رواه الطبري .
واعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- السلام مع غير المسلم عبادة نتعبد بها لله –تعالى -
فرُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مَن آذى ذِمِّيًا فأنا خصمه، ومن كنتُ خصمه خصمته يوم القيامة )(رواه الخطيب بإسناد حسن).
وعنه أيضًا: " صلى الله عليه وسلم ( مَن آذى ذميًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"(.(رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن).
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من ظلم معاهَدًا أو انتقصه حقًّا أو كلَّفَه فوق طاقته أو أخَذَ منه شيئًا بغير طِيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة"(رواه أبو داود، والبيهقي).
ودماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع؛ يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: " (مَن قَتَلَ معاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة.. أي لا يشم رائحتها .. وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا"(رواه البخارى.
وكان عمر -رضي الله عنه- يسأل الوافدينَ عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشيةَ أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: "ما نعلم إلا وفاءً"،
وعليُّ بنُ أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "إنما بذلوا الجزيةَ لتكون أموالُهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا"، وما رُوِيَ: "أن عليًّا أُتِيَ برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوتُ، قال: فلعلهم هددوك وفَرَقُوكَ، قال: لا، ولكنَّ قَتْلَه لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوا لي ورضيتُ. قال: أنتَ أعلمُ؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا"(أخرجه الطبراني والبيهقي .
وقد صح عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قَتَلَ ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وَلِيِّه، فإن شاء قَتَلَه، وإن شاء عفا عنه، فدُفِعَ إليه فضرب عنقه. ولقد بلغ سلام الإسلام مع غير المسلمين بأن أمَّنهم عند العجز والشيخوخة، وضَمِنَ لهم في ظل دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمَن يعولونه؛ لأنهم رعية للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته"(متفق عليه، من حديث ابن عمر)، وهذا ما مضت به سُنَّة الراشدين ومَن بعدهم؛ فقد رأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًّا يسأل الناس، فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًّا، ثم نخذله عند الهَرَمِ!
وفي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: "وجعلتُ لهم، أيما شيخ ضَعُفَ عن العمل، أو أصابته آفةٌ من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر، وصار أهل دِينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله". وكان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصِّدِّيق ولم ينكر عليه أحدٌ، ومثل هذا يُعَدّ إجماعًا. والفضل ما شهدت به الأعداء: شهد بذلك رجال الفكر الغربي عن كَثَبٍ:
قال ريتشارد وود: "إن القرآن قد سمح للذميين (غير المسلمين) بحرية ممارسة شعائر دينهم، وأوجب مساواتهم في الحقوق المدنية والجنائية مع سائر الأهالي، ولم يمنع من استشارتهم في مصالح الوطن".
قالت الدكتورة زيغريد هونكه الألمانية: "هذا ما أمر به القرآن الكريم، وبناء على ذلك فإن العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخولَ في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتيون واليهود الَّذِينَ لَاقَوْا قبلَ الإسلامِ أبْشَعَ أمْثِلَةٍ للتَّعَصْبِ الدِّيني وأفظّعَها، سمح (الإسلام) لهم جميعًا دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائرِ دِينِهم بِأدْنى أذْىً...".
وكتب بطريك بيت المقدس بيده رسالتَه إلى بطريك القسطنطينية قال فيها: إن العرب (المسلمين) يمتازون بالعدل، لا يظلموننا البتةَ، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف)، وقال كولد تسيهر من كبار علماء الغرب: "روح التسامح في الإسلام قديمًا، تلك الروح اعترف بها المسيحيون وغيرهم .
وصدق الله العظيم إذ يقول . (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256]؛
هنا لا يسعنا إلا قولنا .. صدق الله العظيم .
