جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

الدكتور محمد مؤنس عوض: مؤرِّخ العصور الوسطى وعاشقُ صلاح الدين !

 

   

بقلم د/شعبان عبد الجيد 


 لم أكن أتصوَّر حين اتصلَت أسبابي بأسباب الأستاذ الدكتور محمد مؤنس عوض عبر الفضاء الأزرق أنني سأقع على كنز ثمينٍ من المعرفة العلمية الرصينة وفيض سيَّالٍ من الدفء الإنساني النبيل. ولقد ترددت كثيرًا قبل أن أخطَّ عنه حرفًا واحدًا؛ حتى لا يدفعني الإعجابُ به إلى المبالغة في القول أو التزيُّدِ في التعبير. لكنني كنت كلما طالعت له كلمةً مصوَّرةً أو محاضرةً مذاعةً زاد يقيني بما ذهبتُ إليه باديَ الرأي، واطمأنَنت إلى رأيي الأول فيه، وارتحت إلى انطباعاتي الأولى عنه. 

    وانتظرت يومًا وأسبوعًا وشهرًا، حتى وجدت نفسي تحت ضغط رغبةٍ جارفةٍ أن أكتب عن الرجل ولو كلمةً قصيرةً، تشير إلى فضله ومكانته في عالم الدراسات التاريخية المعاصرة، وتحاول أن توفِّيَه بعضَ حقِّه من التقدير، لقاء ما قدمه للمكتبة العربية من مباحث عديدة وكتبٍ قيمةٍ في التاريخ العربي وتاريخ العصور الوسطى.

    ولقد فرحت كثيرًا لأن واحدًا من أبناء وطني بهذا العمق العلمي والامتلاء الثقافي، منهج منضبط وموضوعية عاقلة، وثقة بلا ادعاء ودقة بلا عنجهية ولا خيلاء، في نبرته ما يوحي بأنه يريد أن يقول كلمته ويمضي لا يمن بما يعطي ولا يفاخر بما يُعلمِّ. يطلب العلم من أجل العلم وينشره بين الناس لوجه الله، لا يريد من أحدٍ جزاءً ولا شكورًا. لا يقول بالظن، ولا يرجم بالغيب؛ إنما هو كالقاضي العادل: لا يحكم إلا بالبينة، ولا يقرِّرُ إلا بالدليل، يتثبت حتى يتأكد، ويدفع الظن باليقين.

    ملاحظةٌ أولى يلاحظها كل من يطالع سيرة الدكتور محمد مؤنس، أو حتى يتابع صفحته الشخصية عبر الفيس بوك؛ وهي أنه غزير الإنتاج بصورةٍ مدهشة، فهو من المكثرين في التأليف والنشر، إلى درجة تثير العجب والإعجاب، وسوف يتأكد لك ذلك حين تعرف أن الرجل وهو في العام السادس والستين من عمره الطيب المبارك، قد قدَّم للمكتبة العربية ما يقترب من مائة كتاب، إلى جانب عشرات البحوث والمقالات المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية، وقليلون جدًّا من أساتذة الجامعة من أبناء جيله مَن يتجاوزون مباحث الترقية للأستاذية، ويواصلون عطاءهم العلمي لا يبتغون به إلا خدمة بلادهم ونفع طلابهم.  

    والدكتور محمد مؤنس واحدٌ من هذه الثلة المتفردة التي بارك الله لها في وقتها وعلمها؛ فعكف على كتبه عكوف الزاهدين، واعتزل الناس في خلوته المباركة ليخرج عليهم بما يعلِّمهم وينفعهم. 

    والنظرة الأولى إلى هذه القائمة تؤكد لنا أكثر من شيء: أن الرجل قارئٌ طُلَعة، وباحثٌ نقَّاد، ليس هَمُّهُ أن يجمع الكلام ويملأ به الورق، أو يحشد المعلومات ويسوِّدَ بها الصفحات، فهو ليس كالنملة التي تجمع لنفسها في الصيف وتخزنه لتأكله وحدها في الشتاء؛ وإنما هو كالنحلة التي تمتص الرحيق من هنا وهناك وهنالك، ثم تخرجه للقراء عسلًا مصفًّى وشهدًا مكرَّرًا. والذي يكتب كثيرًا هو الذي يقرأ كثيرًا.

    والغزارة في التأليف لها مزاياها ولها عيوبُها، فالمكثرون من الكتاب يغلب على كتاباتهم الخفة والهشاشة، فلا عمق في التناول ولا تأنق في العرض، ويجيء معظم ما يسطرونه معادًا ومكرورًا، ولا يخلو أغلبه من أن يكون مجرَّدَ قصٍّ ولصق، بلا تروٍّ ولا تأمل.

    وقد خطرت هذه الفكرة للدكتور مؤنس، وأدرك أن قراءه سوف يظنون به هذا الظن، فنشر كلمةً مصوَّرةً قصيرة جعل عنوانَها (نقدي الذاتي لمؤلفاتي)، وهو عنوان دالٌّ على شخصية صاحبه، فهو رجاعٌ للحق، ويؤكد صدق العبارة التي تقول: رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب، وهو أيضًا دليلٌ على تواضع الرجل، إنسانًا وكاتبًا؛ والذين يقرءون كثيرًا هم أكثر الناس وعيًا بسعة العلم وكثرة المعارف، وهم في الوقت نفسه أكثر الناس وعيًا بضآلة ما يعرفونه من هذا العلم، وأن ما حصلوه لا يعدو أن يكون قطرةً من محيط، وأنهم كما قال نيوتن: أطفالٌ يلهون على شاطئه بما يلتقطونه من أصداف، دون أن يصارعوا لجته أو يختبروا أعماقه!

    والمتأمل لعناوين مؤلفات الدكتور محمد مؤنس سوف يأخذه العجب من كثرة الكتب التي خصصها الرجل لصلاح الدين الأيوبي، وقد بلغت حوالي خمسة عشر كتابًا، عرضًا لسيرته، واستعراضًا لبطولاته، ودفاعًا عنه ضد منتقديه في الشرق والغرب، من القدامى والمحدَثين. وقد لاحظ هو ذلك وانتبه إليه، وبرَّر ذلك بأن صلاح الدين الأيوبي، وهو بطلٌ إسلاميٌّ فذ، يستحق أضعاف هذه الدراسات، وأن الحملات الضارية لتشويه صورته وانتقاص دوره لا بد أن تجد من يفندها ويرد على أكاذيبها وأباطيلها. 

    ثمة ملامحُ أخرى في شخصية الدكتور محمد مؤنس، لها قيمتها ودلالتها، من بينها إلى جانب إخلاصه وتواضعه وهدوء نبرته وموضوعيته، أنه شديد الوفاء لأساتذته ومعلميه؛ يعترف بفضلهم عليه، ويذكرهم بما يستحقونه من إجلالٍ وتقدير؛ ويتأكد لك هذا من خلال أحاديثه المصورة ومقالاته المنشورة عن الأساتذة الكبار: قاسم عبده قاسم وحسن حبشي وجوزيف نسيم يوسف وحاتم الطحاوي وإبراهيم العدوي وعبد العزيز نوَّار، وغيرهم. وهو لم يكن وفيًّا لأساتذته العرب فحسب، بل كان وفيًّا لمن تعلم منهم من المستشرقين والأساتذة الأوربيين، وتجاوز ذلك إلى تقدير أصدقائه وزملائه ومجايليه من دارسي التاريخ والمشتغلين به.

    ملاحظةٌ أخرى، وليست أخيرة، يفطن إليها من يتابع كلمات الدكتور محمد مؤنس المصوَّرة على صفحته الشخصية، وهي أنه ليس متنوع الاهتمامات فحسب، بل هو إنسانٌ بسيطٌ وخفيف الظل أيضًا؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه بعمقٍ وموضوعية شديدين عن صلاح الدين الأيوبي والحروب الصليبية وتاريخ العصور الوسطى، يتحدث أيضًا عن أم كلثوم ووديع الصافي وسعاد محمد وميادة الحناوي وعمار الشريعي وكارم محمود وإسماعيل ياسين.

    وأنا شخصيًّا لا أتعجب من هذا، ولا أراه غريبًا على الرجل ولا على تخصصه؛ فهو مؤرخ، والمؤرخ لا يقف عند عصر بعينه، ولا يكتفي بدراسة الساسة والملوك والقادة والزعماء، فثقافة العصر، فنيَّةً وعلمية وأدبية، هي مما يضيء هذا العصر ويعين على درسه وتفهمه. والأمر في النهاية قد يعود إلى رغبته في الاستجمام والتخفف من جهامة المنهج العلمي وصرامته، وهو من باب ترويح القلوب ساعة بعد ساعة.

    والدكتور مؤنس مشغَلٌ بالأدب والأدباء أيضًا، ولعل هذا من تأثير اهتماماتٍ قديمة وميولٍ بعيدة، فهو يتحدث عن شوقي والعقاد وطه حسين وزكي مبارك والمتنبي، وغيرهم من الأدباء القدامى والمحدثين، وقد يبالغ  حين يتحدث عن بعض المعاصرين ممن يعجبه منهم كثرة ما ينشرون؛ وهم يستحقون الإشارة والتنويه ولكن التزيد في مدحهم والثناء عليهم يدخل في باب المجاملة أكثر مما يدخل في باب التأريخ.

    أعرف أن هذه الكلمة عن الأستاذ الدكتور محمد مؤنس عوض، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعتي عين شمس والشارقة، قد طالت أكثر مما يجب، وإن لي عنه وعن كتاباته ملاحظاتٍ كثيرةً أخرى، أتمنى أن تتاح لي فرصة عرضها في دراسة أخرى موسَّعةٍ وعميقة؛ وعسى ذلك أن يكون قريبًا !  

د. شعبان عبد الجيِّد


إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022