د. وائل فؤاد يكتب:((الإعجاز العملي في الصيام وفوائده الصحية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية))
دكتور/ وائل فؤاد
- مدرس الأدب والنقد بجامعة الأزهر.
إن للصيام من الفوائد البدنية والنفسية والأسرار والحكم الطبية ما يحير ويعجز، وهذا مصداق لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحق} [فصلت: 53]، وقوله تعالى: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمْ} [البقرة: 32]، وقوله تعالى : {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
ومن الأدلة الشرعية على الصيام وفضله وفائدته:
ـ قول الله سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى لَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183), وقوله:(لعلكم تتقون) بمعنى:(كي تتقون) وهنا لم يذكر المفعول به, وذلك إشارة على تعدده واتساعه لأشياء كثيرة, بعضها معروف وبعضه ستستكشفه الأيام المقبلة .. إن شاء الله.
ـ وقول الرَسُولُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ اِمْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ) ـ (رواه الربيع), ومعنى:(الصوم جُنّة) أي: وقاية من النار ومن المعاصي.
ـ وقوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) ـ (رواه البخاري).
ـ وقوله (صلى الله عليه وسلم):(مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ), أي: قاطع له عن الشهوة.
ـ وقوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(صَلُّوا تُنْجِحُوا، وَزَكُّوا تُفْلِحُوا، وَصُومُوا تَصِحُّوا، وَسَافِرُوا تَغْنَمُوا) ـ (رواه الربيع).
والحكمة من جعل الصيام في شهر رمضان.
يكاد لا يخفى على أحد أن القرآن الكريم أُنزل في رمضان من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وذلك في ليلة القدر، كما ذكر في سورة القدر, وقال الله سبحانه وتعالى أيضاً:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(البقرة ـ 185), فالقرآن نور الله, والصوم هو تهيئة النفوس والأرواح لاستقبال هذا النور الرباني وذلك بتخليصها من علائقها المادية المتمثلة في الأكل والشرب والجماع وجميع الشهوات الأخرى، من هنا تتبين العلاقة بين الصوم والقرآن، ولا يقف بركة رمضان عند هذا الحد، بل أن غزوات المسلمين أشهرها كان فيه، كغزوة بدر, كما أن فيه ليلة القدر من أقامها كان له أجر أفضل من ألف شهر, وتعتبر لياليه العشر الأواخر أفضل ليالي السنة.
والحكمة من مجيء الصيام نهارا لا ليلا؛ لأن فيه ثوابا، والثواب يُعطى على الابتلاء ولا يوجد في النوم بلاء، ومن جهة فالنوم ليس فيه اختيار إذ لا شغل للعقل ولا للحواس, ومن شرط العبادة أن تُؤدّى على وجه الاختيار إذ لا يُعبَد الله إلا على قناعة وهذي هي حكمة الله في الابتلاء، كما أن تناول الطعام والشراب معظمه يكون في النهار، ولو صيم الليل لما صيم عنهما، ولذا يسقط بعض حكم الصيام.
وقد اكتشف العلم التجريبي الحديث الكثير من فوائد الصيام الطبية والعلمية وما زال يكتشف مما جعلت منه اعجازا علميا، هذه الاعجازات العلمية أوضحت الإعجاز التشريعي للصيام؛ لأنه به كمال الفائدة مع انعدام المضرة مما يجعل البشر عاجزين عن تشريع مثله مهما حاوله، فنتساءل إذا عجز عن ذلك البشر جميعهم مع توفر الوسائل الحديثة الآن المستخدمة في التجارب ومع اتساع العلوم في شتى المجالات، فكيف استطاع سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) تشريع الصيام، ولا شك أنه ليس من عنده إذ هو مبلغ عن ربه فالصيام إذا تشريع رباني من خالق الإنسان والكون، ومما لا شك فيه أن للصيام فوائدا واسعة، وكذلك العبادات الأخرى التي شرعها الله ورسوله لنا، وكان يعتقد في الماضي أن هذه الفوائد مقصورة على الجوانب الروحية والعاطفية؛ غير أن العلم الحديث اليوم يكشف الدليل بعد الآخر على الفوائد البدنية والنفسية لمن يلتزم التعاليم الإسلامية، ومن هذه الفوائد الصحية على الجهاز المناعي، وعلى الجهاز الدوري والقلب، وعلى الجهاز الهضمي، وعلى الجهاز التناسلي، وعلى الجهاز البولي؛ وأن هذه التأثيرات المفيدة للصيام سجلت على المستوى الوظيفي للخلايا والأنسجة، وتأكدت بالدراسات الكيميائية والمعملية، وقد شاء الله تعالى بأن هدى العلم والعلماء لاكتشاف بعض أسرار آياته الكريمة، ولأهمية الصوم لحياة الفرد والمجتمع فرضه الله تعالى على كل الأمم التي سبقت أمتنا (أمة محمد عليه الصلاة والسلام) فقد شرع الله الصيام تزكية لنفس الإنسان وتهذيبا لسلوكه ووقاية وعلاجا لما قد يصيبه من علل وآفات في نفسه وجسده من جراء كثرة الأكل، فالصيام معجزة علمية، ففيها وقاية من العلل، والأمراض النفسية والجسمية وفي هذا تحقيق لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الصوم جُنَّة) ومعنى الجُنَّة هي الوقاية والستر، ففي الصيام منافع كثيرة للأصحاء والمرضى ونستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كنتم تعلمون}وقول النبي (صلى الله عليه وسلم ) الصيام جنة، وحديثا وفي السنوات الأخيرة أثبت لنا العلماء بالاكتشافات والأبحاث الدقيقة القطعية والتي لا تدع مجالاً للشك كيف أن الجزيئات الصغيرة تتأثر بالصيام لتلتهم وتنظف وتنقي الخلايا من البقايا المتراكمة طوال العام ليضع الله لنا هذا الشهر بالإضافة إلى العبادة كفترة يراجع فيها الجسد نفسه ويعيد بناء جهاز مناعته، وقد يتساءل الناس عن الفائدة من ذكر أسرار العبادات وحكمها وللإجابة عن ذلك نقول:
أولاً: - إن الله تعالى علمنا في كثير من آيات الكتاب المبين أسرار تشريعه وفوائده ليحفز أذهاننا وأفكارنا على العمل لنتبين أن هذه التشريعات الإلهية لم تقم إلا على ما يحقق للناس مصلحة أو يدفع عنهم ضرراً.
ثانيا: - الإسلام لا يتنكر للعقل ولا يخاطب الناس إلا بما يتفق مع التفكير السليم والمنطق السديد وفي كل عصر نرى فوائد التشريع بما يتفق مع التفكير والمنطق والمصالح العامة وهذا دليل قاطع على أن مصدر الإسلام هو من عند الله سبحانه وتعالى، وبالعودة إلى الإعجاز العملي والطبي في الصيام أكد الدكتور على فؤاد مخيمر، رئيس جمعية الإعجاز العلمي المتجدد، أن الدراسات العلمية فى وظائف أعضاء الجسم أثناء مراحل التجويع تؤكد يسر الصيام الإسلامي وسهولته، ولفت إلى أن الصيام فرض ليكون إصلاحا للجسد لا تعذيبا له كما يظن الواهمون، فالصوم مصحة للأبدان، والأذهان والقلوب، فهناك منافع روحية وصحية عظيمة، إضافة إلى أنه يعالج الأمراض والعلل عند الإصابة بها، وأفاد مخيمر أيضا بأن الامتناع عن الطعام يؤدى إلى تحسن وظائف الأعضاء، وإحداث تمثيل غذائي جديد بطريقة مغايرة لما كانت عليه الأعضاء قبل الدخول فى شهر رمضان، كما أنه يتيح راحة فسيولوجية لجميع أعضاء الجسم وطرح السموم والفضلات من الدهون والمواد الغذائية الأخرى خارج الجسم عن طريق البول والإفرازات التي تخرج من الجسم، وتخلص الأمعاء من الجراثيم الضارة التي تراكمت فيها والمحافظة على الأنسجة والخلايا وخصوصا الجهاز المناعي، وتجديد خلايا الأنسجة للأعضاء الحيوية فى الجسم، وتقوية الذاكرة وتحسن أعضاء الحس والشعور، وأردف إلى أن الصيام يعمل على الشفاء من الأمراض المزمنة، ومنها الربو والسعال والتهاب القصبات الهوائية وبعض أمراض القلب والروماتيزم والتهاب الوريد المزمن وحب الشباب وارتفاع الكوليسترول فى الدم وعسر الهضم وسوء الامتصاص والبول السكري والجيوب الأنفية، وتخليص الجسم من الشحوم وتراكمها فى الجسم وهى التي تؤدى إلى مرض السمنة، كما أنه يقلل احتمال حدوث الأورام السرطانية ويقتل الفيروسات ويطرد السموم، ويبطئ زحف
وهكذا في كل حقبة من الزمن يثبت العلم الحديث فوائد وحكم وأسرار العبادات مما يقوي إيمان الناس ويزيد من يقينهم، فالله سبحانه وتعالى لا يأمرنا إلا بما فيه سعادة العباد وصلاحهم في عاجل أمرهم وآجله.
