بين التاريخ و فلسفة التاريخ
بقلم:مخلوف بن قانة
إذا كان اجتياح "هيتلر" لبولندا يعد حدثا تاريخيا أشعل مواجهة عسكرية عالمية فإن دراسته بالإستناد إلى علوم مساعدة لعلم التاريخ يزجّ به في خانة الظاهرة التاريخية و ليس الحدث التاريخي، فالفحص الدقيق لهذا الحدث يكشف لنا مدى ارتباطه بعوامل اجتماعية، نفسية، سياسية،اقتصادية ،ثقافية وحتى فلسفية، وهنا تتجلى قوة كلام المؤرخ الفرنسي "مارك بلوك" حينما قال:التاريخ هو علم البشرية بالدرجة الأولى.
فالبحث عن الدوافع العميقة لقيام "هتلر" باجتياح بولندا تجبرنا على دراسة عرضية لشخصية الرجل ،فالغريزة النفسية المتمثلة في حب السيطرة و التي تظهر عند البعض بإفراط كانت إحدى العوامل التي عبّدت له الطريق للسيطرة على ألمانيا ، وهذا العامل النفسي نلتمسه علميا في رد العالم النفساني "سيغموند فرويد" على رسائل "انشتاين" حين سأله هذا الأخير عن كيفية وقف الحرب، حيث أشارت الإجابة إلى عامل نفسي مهم و هو شهوة السيطرة التي تظهر زيادة عن اللزوم عند طبقة معينة من البشر ،ولعل "هتلر" من بينهم .
و لّمّا كانت نزوات النفس البشرية وغرائزها غير قابلة للكبح كان لزاما على هذا الرجل أن يوسّع دائرة نفوذه خارح ألمانيا، و بالتالي تقاطعت مصالحه ومصالح بريطانيا وفرنسا ودخل حيّز التنافس الإستعماري ما أسفر عن حرب عالمية ثانية.
كما أن رغبات "هتلر" التوسعية كانت إحدى مخرجات توجهه الفلسفي،والذي كان نتاجا لما تشرّبه من أفكار الفيلسوف الإيطالي "ميكيافلي" الذي أسّس لاستراتيجيات سياسية تتناسب ومشاريع هتلر في السّيطرة و التوسع ، كما تأثر أيضا بأفكار الفيلسوف الألماني" نيتشه " و رؤيته العدمية تجاه الأخلاق و تبرريه لخيار القوة كوسيلة للسيطرة .
أما من الزاوية الإحتماعية نجد أنه وكما هو معروف عن المجتمع الألماني إيمانه بفكرة علوّ و سموّ الجنس الألماني عن باقي المجتمعات و الشعوب، وهذا يمكن أيضا أن يكون دافعا محوريا حرّك رغبة "هتلر" لبدأ مشروعه التوسعي.
أما من المنظور التاريخي و السياسي فلا يخفى على أحد مدى العداوه التقليدية التي كانت موجودة بين ألمانيا وفرنسا منذ نهاية الحرب السّبعينية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ،و التي تأججت أكثر بعد الحرب العالمية الأولى، ما يفسّر رغبة "هتلر" للثّأر من فرنسا و حليفتها بريطانيا.
كما لا يمكن إغفال الجانب الإقتصادي و الرغبة في السيطرة على مناطق النفوذ ، و الذي يعد دافعا أساسيا لشتى النزاعات القائمة بين البشر منذ بدأ التاريخ ،وكذلك غياب علاقة تجارية حقيقية تكفل المصالح الإقتصادية بين الأطراف المتخاصمة كما هو معمول به اليوم في إطار ما يسمى بالإتحاد الأوروبي و الذي يعد أحد منافذ السلام في أروبا.
و بالإستناد إلى هذه العوامل التي سبق ذكرها نجد بأن اجتياح "هتلر" لبولندا والذي تسبب بصفة مباشرة في حرب كانت وراء تغيّر موازين العالم والذي نعيش نتائجه إلى يومنا هذا ليس حدثا معزولا ،وإنما مرتبط بعوامل نفسية،فلسفية،اجتماعية ،اقتصادية، تاريخية سياسية وأخرى لم يتسنّى لنا ذكرها حفاظا على قصر المقال ، وهذه الجوانب لا يمكن الخوض فيها إلا بالإستعانة بالعلوم الخاصة بها كأداة مساعدة لفهم التاريخ ، و هذا ما سيؤدي بنا إلى تجاوز ما يسمى بالحدث التاريخي الذي ينبني على السرد و الوصف إلى ما يصطلح عليه "بفلسفة التاريخ" ، و التي تنبني على تأسيس نظريات و قوانين مفسّرة للسيرورة الحضارية للشعوب والأمم حسب نظرة المؤرخ " ابن خلدون".
و في الأخير نجد بأن الفجوة البيداغوجية التي تعاني منها مدارسنا فيما يخص علم التاريخ هو غياب الآليات التي نفكك بها الأحداث التاريخية ،و التي تكشف لنا مدى ارتباط علم التاريخ بكل جوانب الحياة من قريب أو بعيد ، وكذلك غياب الآليات التي تمكننا من توظيف المعطيات التاريخية لبناء نظريات ثابتة نسبيا مفسرة لمجرى حياة الانسان ،و تمكين هذا الأخير من فهم حاضره و التنبؤ بمستقبله على أساس أن الحاضر امتداد للماضي، و المستقبل امتداد للحاضر، وهذا كله يحتاج لقدرة تحليلية لن يكتسبها الفرد الا إذا تم تغيير النظام التعليمي السائد في مدارس هذا العصر، فالتاريخ ليس حدثا قد مضى ، وإنما عبارة عن ظاهرة حدثت في الماضي و لا تزال تحدث في الحاضر و ستواصل الحدوث في المستقبل.
.
