سمر جاد تكتب قصة قصيرة بعنوان «إبن الفيسبوك»
قصة بقلم /سمر جاد
عندما أفاقت سماح فى المستشفى، علمت أن زوجها قد توفى...
سماح: و رامى؟ أين رامى؟ أين ابنى حبيبى؟ هل أصيب ؟ إحضروا لى ابنى لأراه...
أصيبت سماح بنوبة من الذعر ولم تهدأ إلا بعد أن أعطتها الممرضة جرعة قوية من الأدوية المهدئة.
الممرضة : إبنها؟ أى إبن؟ لم يكن معها غير زوجها فى السيارة؟
الطبيب: لا تقولى لها شيئاً الآن حتى تتحسن حالتها...فهى لن تتحمل صدمة أخرى..وأنا من ناحيتى سأبلغ الشرطى الذى ينتظر بالخارج تلك المعلومة، ربما إستطاع أن يجده لها.
كانت عائلة رامى، تملك كل ما يحلم به أى شخص، من مال وجاه و جمال ، و الأهم أنهم كانوا مترابطين جداً. كان رامى هو الإبن الوحيد للأسرة، و كان يتلقى قدراً لا بأس به من الدلال، ويوماً بعد يوم كبر رامى فى هذا الجو الأسرى الرائع ، و لما كان عيد ميلاده الثانى عشر قد إقترب، فلقد قررت الأسرة الإحتفال به فى إحدى المنتجعات الشاطئية، كانوا متحمسين كثيرا لتلك العطلة....و لم يكن أحداً منهم يتخيل أن تلك الرحلة ستغير حياتهم للأبد....
ففى طريقهم إلى المنتجع، كانت هناك سيارتان تتسابقان على الطريق السريع و لم يشاهدوا سيارة عائلة رامى إلا بعد فوات الأوان.....انقلبت السيارة عدة مرات...توفى الأب...و اختفى رامى....ولم تنجو إلا الأم (سماح)...
مرت السنوات، وكانت سماح تحتفل كل عام بعيد ميلاد رامى وحدها، فهى على الرغم من تأكيدات الجميع على ضرورة أن تتقبل الواقع و تستسلم للقدر إلا أن إحساسها كان دوماً يحثها على ألا تفقد الأمل...دخلت سماح على حسابها على الفيسبوك...وقررت أن تبعث رسالة إلى رامى.
سماح : كل عام و أنت طيب يا حبيبى...لا أصدق أن اليوم هو عيد ميلادك ال21 ، لقد مر وقت طويل منذ رأيتك آخر مرة منذ 9 سنوات...إنتظرتك فيها كل يوم...وسوف أنتظرك إلى الأبد يا قطعة منى...إلى لقاء يا نور عينى.
تركت سماح الكمبيوتر فدموعها التى إنسابت من عينيها بلا هوادة منعتها من الرؤية بوضوح، وبعد ان هدأت قليلاً عادت مجدداً لتتواصل على الفيسبوك ،مع أصدقاء رامى الذين يبعثون له الرسائل فى هذا اليوم من كل عام...ولكنها وجدت ما لا يصدقه عقل، وجدت رداً على رسالتها إلى رامى ...رداً من رامى!!
أخذ قلبها يخفق بسرعة، وكانت يدها ترتجف من شدة التوتر وأخيراً تمكنت من فتح الرسالة و قرأتها:
" أمى الحبيبة ...إفتقدتك كثيراً أكثر مما تتخيلين...أريد أن أراك غداً لكننى لا أتذكر العنوان...ارسليه إلى أرجوك لينتهى ألم الفراق...." رامى
انتابت سماح حالة من الضحك الهستيرى....ثم أجهشت فى البكاء....وأخيراً هدأت لترسل لرامى العنوان قائلة أنها تنتظره فى الغد بفارغ الصبر....مرت الساعات التى تفصلها عن اللقاء كأنها سنوات وأخيراً دق جرس الباب...فتح له عم صابر -رئيس الخدم – الباب وقاده عبر بهو فى غاية الفخامة إلى الشرفة حيث كانت سماح تنتظره على أحر من الجمر...نظرت إليه ملياً لثوان ثم هرعت إليه واحتضنته بقوة، فكادت أن تحطم ضلوعه....وأخذت تبكى... أخذ رامى يربت على كتفها لتهدأ...بعد ساعة كانت سماح تتحدث دون توقف، لتسرد لرامى الذكريات المضحك منها و المؤلم. استمرت سماح تتحدث لساعات ، بينما إكتفى رامى بالإبتسام أو العبوس تبعاً للذكرى التى كانت ترويها له أمه.
مرت الأيام وبدأت المسافة التى تسببت بها سنوات البُعد، فى أن تتلاشى شيئاً فشيئاً ، فأصبح رامى و سماح مترابطين للغاية.و لما كانت سماح تريد تعويض رامى عن كل ما حُرم منه، فبدأت تُغدق عليه دون حساب، فاشترت له سيارة فارهة، وملابس جديدة و أقامت حفلة كبيرة للاحتفال بعودته، دعت فيها مئات الأشخاص. و وسط الحشد كان هناك رجلاً غريبأً لم تره سماح من قبل....كان يتحدث إلى رامى...
الرجل الغريب (إلى رامى) : متى سننفذ العملية يا عباس؟ علينا سرقة تلك المرأة قبل أن تعرف حقيقتك...
رامى (أو عباس): لا تقلق...لقد أصبحت تثق بى ثقة عمياء...امهلنى فقط حتى أخر الأسبوع حتى أحصل على شفرة حسابها البنكى...بعدها سنملك قصراً كهذا...وربما أكبر.
الرجل الغريب: حسناً...أمامك حتى اخر الأسبوع....وإياك أن تماطل بعدها و إلا....
رامى : لا داعى للتهديد يا صديقى...أنا أعلم جيداً ما أفعله...و لترحل الآن.
رحل الرجل الغريب....فتقدمت سماح من رامى لتسأله من كان هذا الرجل...
رامى: انه شريكى فى العمل...هناك بعض المشاكل..
انتاب سماح القلق و أصرت أن تعرف طبيعة تلك المشاكل.
رامى: إننى أكاد أن أخسر شركتى...فأنا مدين لأحدهم بمبلغ كبير...وهو يهددنى الآن إما الدفع أو الحبس.
سماح: الحبس؟؟ لا يا رامى ...لن أخسرك مجدداً...ما هو المبلغ المطلوب؟
رامى: مليون دولار أمريكى
سماح : يا إلهى! هذا مبلغ كبير....متى تريده؟
رامى: قبل نهاية الأسبوع
سماح: اطمئن يا حبيبى....سوف أدبر لك المبلغ.
ابتسم رامى واحتضن سماح و قال: أحبك يا أمى...أحبك كثيراً
اغرورقت عيناها و ذهبت لحجرة المكتب للبدء -على حد قولها -فى إجراء الاتصالات اللازمة لتوفير المال المطلوب.
قامت سماح بإتصال هاتفى....رد أحدهم، فقالت بصوت مرتجف : الشرطة؟
قال الشرطى : نعم، ما هو بلاغك سيدتى؟
اختنقت الكلمات فى حلقها و بدأت يداها تتعرق و أخذت رأسها تدور و فقدت وعيها...دون أن تبلغ عن الحديث الذى سمعته يدور فى حديقة منزلها بين الرجل الغريب...و ذلك المحتال الذى تلاعب بعواطفها وادعى أنه ابنها...
لم تحتمل أعصابها التى أنهكها الحزن صدمة أخرى، فخارت قواها و فقدت الوعى، تم نقلها على الفور إلى المستشفى، رافقها رامى فى سيارة الإسعاف، و ظل إلى جوارها ليل نهار فى المستشفى ، لأيام، حتى فتحت عينيها أخيراً.
رمقته سماح بنظرة غاضبة ثم التفتت إلى الجهة الأخرى...هم عباس لينصرف، فسارعت بسؤاله:
لماذا فعلت بى هذا ؟ لم أكن أحتمل خسارة ابنى مرة...فجعلتنى أخسره مرتين..
(تعطيه ظرفاً مغلق...به شيكاً كانت قد أعدته له بمبلغ ضخم كهدية عيد ميلاده)
خذ هذا الظرف و ارحل...إن مشاعرك المزيفة تجاهى تقتلنى...لا أريد أن أراك ثانية أبداً
تعافت سماح بعد عدة أيام ، وعادت إلى بيتها لتجد عباس و قد ترك لها الشيك بعد أن مزقه ، وترك مفتاح السيارة والملابس التى اشترتها له كذلك....ترك كل شئ ، ورحل.
جلست إلى الكمبيوتر لتتفحص رسائلها فوجدت رسالة على الفيسبوك ...رسالة من عباس يقول فيها:
أعتذر منك كثيراً ، على مدى الألم الذى ألحقته بك ، لقد تربيت دون أن أعلم لى أهلاً ،و لم أعرف لى مهنة منذ مولدى إلا السرقة والاحتيال ..ولكننى عندما عشت فى بيتك وشعرت بحنان الأم بجوارك، تمنيت أكثر منك أن أكون إبنك حقاً. ..فلم أكن لأحلم بأن يكون لى أم مثلك. ..أنا أيضاً خسرت أمى مرتين...لكن الأخيرة كانت المفضلة لدى.....الوداع يا أمى.
النهاية
قصة قصيرة بقلم سمر جاد
