الأخلاقية الواقفة على قدم مكسورة: مجريات الشرف و الكرامة الساقطة بالمجتمع المصري المعاصر .
كتب: مصطفى نصار.
أسبوعا الفضائح المدوية:عن تغير مزلزل بسلسلة جهينمة من الحوادث .
امتلأ الأسبوعان الماضيان بسلسلة من الحوادث و الأحداث المختلفة التي تجمع بينها خيط عريض من الانحطاط و السفول الأخلاقي، لينتهى بالجدل العقيم أو المجدب الهادم الذي لا يغني ولا يفيد .
فبعد حلقة الأدبية ، كما تعرف نفسها ، ياسمين الخطيب بالبلوجر هدير عبد الرازق التي كانت تكشف نقلة نوعية في الإعلام الرسمي الذي انتقل من مرحلة الإنجازات لمرحلة استضافة النجمات الإباحيات رغبة في التصدر .و بالفعل ، استغرق الأمر ٣ أيام حتى انتهبت الناس للحلقة و أثيرت غضبها دون مراعاة من القناة المستضيفة أو البرنامج إلا بعد غضب الناس ، مرسلين رسالة مفادها، أن الأخلاق أو المواثيق المهمة ضاع وقارها منتقلة بذلك للمحتوى الرائج و المدوي لتجميع التعليقات و الإعجابات ، أو كما يؤكد عالم الاجتماع الأمريكي جيف همسيلي و كارين ناهون في كتابهم الدوي الإعلامي .
فانتقل الشائع من الحلقة المنحطة لمرحلة أكثر تطرفًا و أعلى وصلت لدرجة رواجه لحتى الآن ، بسبب قصد المرسلة أو صاحبة المقطع التشهير ، و قذف المحصنات ، و كثير من المصائب الخطابية مع تشكيك بنسب الشعب المصري بأكمله ، و مخالفة لأخلاقيات المهنة بسفور و فجاجة ، و هو تريند الدكتور وسام شعيب التي وجدت فيها وسائل الإعلام فرصة لإعادة التصدر و القراءة و التفاعل دون أن تعرضها للنقد أو التفكيك أو الاعتراض أو الطعن ، بل و استضافها بعضهم بحجة التوعية الهادفة بقضية على أرض الواقع ، أي الاستضافة تلك ستقضي على جذور الأزمات المتزايدة التي سردتها في الفيديو المختل و المعلول .
و انتقل التصدر الإعلامي من موقف الدكتور وسام لمتابعة قضيتها ، و تعميق الانقسام المجتمعي بدرجة جسيمة و كبيرة ، حتى عبر الباحث أحمد عبد ربه على ذلك بأنه "تريند معلمين"، و هو كذلك لزيادة وتيرة الهجوم و التشاحن بين الناس بمبدأ فرق تسد ، و نجده شديد الدلالة و الجدية عما تأصل في المجتمع المصري من كسر و نسف أخلاقيات و مبادئ عديدة إما بتغييرها أو تحويل مسمياتها .
كما دار التريند بعد متابعة القضية لمتابعة قضيتين منفصلتين متشابهات في الانقسام و النتيجة لكل منهما ، متمثلتان بشكل عملي عن السوابق المنحطة ، و هما قضية ابن الشيخ محمد حسان و القبض على شريف طلياني بتهمة تمثيل الإباحيات و التعدي على قيم الأسر المصرية ، التي لم تعد ذات ملامح معينة تسيطر أن تضبطها بعوامل ثابتة لها مبادئ اجتماعية أو دينية معينة ، و لكن فات الأوان بسبب الانصباب على دائرة التريند المستنزفة و المفرغة و التافهة . بالإضافة لما تتميز بها من تناقض متنافر تحفز التجذر للقيم المعكوسة مثل الإزاحة السلبية و الفردانية المقيتة و الهشاشة العميقة و استخدام لغات خشبية و جوفاء في الأدب ، و التدجين الممنهج . و مع استمرار تلك المنهجيات ، يسود المجتمع أنواع ممجوجة من النفور عن النظام الطبيعي للمواضع القيمية ، أو بتعبير زيجمونت باومان عالم الاجتماع البولندي كل شيء سائل فاقد الجوهر ، و ما ينتج عنه قلب المجتمع رأسًا على عقب بترسيخ العبودية و القهر و الهدر النفسي و الشعبنة العملية كبديل عن الانسحاق مع أفول حاد للقيم المهنية ، و بالطبع ستنهدنس حياة بدائية تالفة لا تستقيم إما بالموت أو السلبية أو الانتحار أو إيذاء النفس وسط مجتمع بدائي متعصب متشظي يستهلك مخدرات فكرية تأكل عمره كالنار الحمضية على الغابات فاقد للعدالة لا يجمع بينهم إلا العمل و المال و الإنتاج.
الأفعى و الحاوي و المتفرج :ثلاثية الانحطاط الظلام التي لا تعترف بأخطائها .
طالما نسمع جزاء المخطئ العنيد و المكابر أن عقابه يتمثل في الحصول على جزاء مستحق ، أو جزاء سنيمار . بخلاف هذا الجزاء البديهي و المنطقي ، لكن تخيل معي موقف مغاير قليلًا ينقلب فيه ذلك الجزاء لجائزة ثمينة لأفعى أو ثعلب . و تلك الصورة هادرة لحقوق و مواهب و قدرات الفرد الإبداعية مقابل الفساد و الإفساد و الوسائط ، مما تمانع أي تطور ملحوظ يسهم في رسوخ المبادئ و القيم المتقدمة و الإصلاحية منعًا جائرًا محيط بالصلف و العجف .
و ما من شيء أهم من ذلك الطيف الماجن الطائف على وجه ذلك المجتمعات من الحواة و الأفاعي التي تتنكر وظائفهم و مهامهم فقط في تنويم البقية و جعلهم كالعبيد أو القطيع ، لسهولة السيطرة عليهم . لهذا ، ينصح إدوارد بيرنيز في كتابه البروباغندا ، ناصحًا المسيطرين بدوام الهيمنة عليهم و سحبهم نحو العواطف و السفائف . و بالنسبة للآخرين ، فالتثبيت و السجن و حكم الخوف كفيل بتحويلهم لأشباه بشر أو أموات في جسد أحياء جلودهم تبطن حمم الغضب و جدران الحنق و الضنك .
و لإن ما لا يؤخذ كله لا يترك كله ، فتتملى تلك الأخلاقيات المصنوعة بالتناقضات و التضاربات الهائلة التي كانت لازمًا أن تظل مثل التخوين و العيش الصعب و المجهد ، و تقسيم الأفراد حتى داخل الأسرة الواحدة إما لأفكاره أو طبقته أو سفاهته الضخمة التي تردعه من التطور و التطوير البناء . فلم و لا يعرف طريقة للمشاركة في القضايا الكبري ، فيتجه لاتخاذ نفسه إلهًا في كثير من جوانب الحياة الاجتماعية و الأخلاقية العميقة المحددة للرؤية الكونية في شتى جوانب اليوم ، حتى يصل الأمر لتحول العلائقية و العلاقات الاجتماعية لمجرد لقاءات شاردة ، مع تعليق عميق لأحد الشباب في مصر "العلاقات الأسرية في مصر صارت باردة للغاية ، الكل يسير و يزور في فتور و خمول تام". فذلك مثلث الانحطاط و السفول المنحدر الذي يغتال المجتمعات بتسارع مخيف و تخبط و تشاحن مبطن أو علني غير مسبوق.
و استمرارًا لسياسة التفكيك ، وجب نقل العقيدة من دينية لاقتصاداجتماعية لسهولة تموجها مع الأزمات المصنوعة ، و جعله يشتت لعدة اتجاهات حتى يغرق بالأزمات ، محولة تلك الأزمات لعقيدة الصدمة الكارثية .
و لعل كتاب نعومي كلاين عقيدة الصدمة يبرر تلك العلاقة الأزلية بين الفقر و الصدمة و الأخلاقيات بانحدارها و سفولها المستمر ، بل يصل حدودها لفقدان اللحمة من كثرة الضغوط و الأزمات كاتبة بذلك مصير من مصيرين لا ثالث لهما إما عبودية منحول وبرها وسط خرابة هدامة لكل شيء أو اقتتال أهلي يمهد له بعجرافة منقطعة النظير أو تصبح مسألة وقت كمن هو مكبل اليدين بقنبلة موقوتة ، و هذا ما أشار له الناشط السياسي تامر شيرين شوقي في حواره مع ذات مصر في منتصف الشهر الجاري .
و من الرائع لفت الشريعة المبكر و الحازم لهذا الأمر بوصفه العبيد للدرهم و الدينار بالتعاسة ، و توصية الرسول المشددة على السعي و الانطلاق في أرض الله دون التركيز على الموارد المالية و المادية مع الدعاء الدائم لنفسه الشريفة و أمته بالقوت اليومي ، مع التحذير و التبويخ الشديد من قبيل الصحابة للأمة بعدم قتال ناهبيهم المعروفين لإنك ستسأل عن أسباب العجز و التمكين و مدى تطبيقهم في حياتك أو كما قال أبو ذر الغفاري" ما لي لا أتعجب أكثر من فقير لا يجد قوت يومه ثم لا يشهر سيفه في وجه سارقيه ".
و اعتبار الأفكار و النعرات أوبئة منتنة تميت الفرد و تقضي على المجتمع ، و عدم تحقيق العدالة الاجتماعية بينهم يفتت الشورى و المبادرة ، أو بحد تعبير سيد قطب رحمه الله في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام "العدالة الاجتماعية حل مديد لمن أراد "النجاة و البقاء دون جور قلة على أخرى .
