جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

القاصة آيه فريد تكتب: قصة نسمات الصباح


 نسمات الصباح


قصة بقلم /آية فريد 


في أحد أزقة المدينة القديمة، حيث تتشابك الروائح بين خبز الفرن الطازج وقطرات المطر على الأرصفة الباردة، كانت "ليلى" تسير بخطوات متثاقلة. شعرت ببرودة غير معتادة، ليست مجرد حرارة الطقس، بل شعور بالوحدة التي تقتلع أي بسمة كانت على وجهها. المدينة تبدو صاخبة للآخرين، لكنها بالنسبة لها كانت صمتًا طويلًا، صمتًا يصرخ في داخلها.

توقفت أمام نافذة محل قديم يبيع الكتب المستعملة، وأمعنت النظر في الكتب المكدسة فوق بعضها كأنها تنتظر من يقرأها ليتحرر من صمتها. رفّت الصفحة الأولى من كتاب قديم، ووجدت جملة مكتوبة بخط متعرج: "في كل ظلّ، هناك قصة لم تُروَ بعد." ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، لم تكن تعرف لماذا أثارت هذه الجملة مشاعرها، لكنها شعرت فجأة بخفة لم تعرفها منذ أسابيع.

مضت في طريقها، والأمطار بدأت تتساقط بلطف، لا تبتل الملابس، بل ترسم على الأرصفة لوحات عابرة. جلست على أحد المقاعد الخشبية، تسند رأسها بيدها، وتراقب الناس يمرون، كل واحد في عجلة من أمره، كل قلب يبدو مشغولًا بحياته، لكنها شعرت أن قلبها مازال عالقًا في أمسها، في حلم لم يتحقق.

حينها لاحظت ظلًا يتحرك على الجدار المقابل. في البداية، ظنت أنه مجرد انعكاس الضوء، لكن الظل بدأ يتشكل كأنه شخص. تقدم خطوة، ثم ابتعد خطوة، وكأن المدينة نفسها تريد أن تخاطبها عبر هذا الظل. شعرت بخوف غريب، لكنه كان ممزوجًا بشغفها لمعرفة ما وراء هذا الظل.

"من هناك؟" همست، لكنها لم تتلقَ إجابة. اقتربت خطوة، والظل يتقدم معها كأنه يعرف طريقها. فجأة، توقف، وتغير شكله إلى صورة فتاة تشبهها، لكن أعينها كانت أعمق، مليئة بالأسئلة التي لم تجد أحدًا يجيبها عنها.

لم تدرك ليلى متى بدأت تهمس لها كلمات من لا مكان: "كل خطوة تخطوها، هي بداية جديدة. كل دمعة سقطت، كانت تحررك." شعرت بدفء غريب يملأ قلبها، وكأن الظل لم يكن مجرد انعكاس، بل مرآة لأفكارها المكبوتة ومخاوفها التي ظلت تخفيها لسنوات.

أخذتها الرياح إلى شارع آخر، حيث نافذة مقهى صغير تنبعث منه رائحة القهوة المحمصة، والأضواء دافئة كأنها تعانق الجميع. جلست على الطاولة الوحيدة الفارغة، وطلبت كوبًا من القهوة، بينما ظلّها يختفي تدريجيًا، تاركًا وراءه شعورًا غريبًا بالسلام.

بدأت تتأمل الناس حولها. الرجل الذي يبتسم لطفله، السيدة التي تمسك بيد صديقتها، حتى العجوز الذي كان يقرأ جريدة في الزاوية. أدركت أن المدينة ليست صاخبة، بل مليئة بالحكايات، وكل شخص يحمل ظله الخاص، وكل ظل يحمل قصة لم تُروَ بعد.

خرجت من المقهى، والسماء صافية بعد المطر، والمدينة تبدو مختلفة تمامًا. لم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تلاحقها منذ أشهر. أدركت أن كل خطوة تخطوها، كل لحظة صمت، هي جزء من قصة أكبر، قصة لم تكتمل بعد، لكنها كانت هي بطلتها.

أثناء عودتها إلى منزلها، توقفت عند نافذة أخرى، وألقيت نظرة سريعة على السماء. شعرت بأن ضوء الشمس يلامس وجهها، وكأنها تقول لها: "دع كل بداية جديدة تكون لك، لا للآخرين." ابتسمت ليلى، وواصلت السير بخطوات واثقة، وكل خطوة كانت تحمل معها وعدًا بأن كل يوم، مهما كان صعبًا، هو فرصة لإعادة كتابة نفسها.

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022