جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

الكاتبة مي فاروق تكتب: من رماد غزة : لماذا نعيد تعريف الجندية و التربية العسكرية






بقلم /مي فاروق 



عامان أسودان مرا، لا كزمنٍ يُطوى في الروزنامة، بل كجرحين مفتوحين على صفحة الأرض. عامان من الرماد واليقظة، من الموت الذي ينام في عيون الأطفال، ويصحو كل فجر على رائحة الخبز والدم معًا. لم يكن السواد بلون الدمار فحسب بل  امتحاناً لجوهر الإنسان ووعيه طارحاً سؤالاً جوهرياً عن الجندية و التعليم العسكري و ضرورة تجديد مفهومهما


خاصةً و نحن في زمنٍ تتبدل فيه مفاهيم القوة ، و تتبدل خريطة التكنولوجيا، و تتصاعد التوترات الجيوسياسية  مما جعل العديد من الدول  تقوم بتعزيز  التعليم العسكري في مدارسها و جامعاتها.


ففي أوروبا دعت بعض الحكومات لإعادة برامج الخدمة الوطنية لمواجهة الإرهاب و ضعف الروح الوطنية ، وفي آسيا تُدمج التربية العسكرية في المناهج لتعزيز الانتماء للدولة ، بينما تربط بعض الدول هذا النوع بمفاهيم التنمية و الانضباط المجتمعي . 


فبينما يتحول العالم إلى رقمنة و سرعة و اتصال لحظي  يبقى الجندي رمزاً للانضباط و التضحية و يظل نظام الجندية واحداً من أكثر النظم ثباتاً في الوجدان الإنساني .

كما أن ما حدث في غزة بعد عامين من الدمار يطرح أمراً لابد أن تتسلح به الأمة العربية والإسلامية حتى تظل هاتان القوميتان  موجودتين  و لا تتعرضان للانقراض أو الاندثار و هو  أننا بحاجة لجندية متجددة تحمل معنى التضحية و التنوير 

و هنا   يُطرح أمران هامان 

الاول : اذا كانت المعارك أصبحت  الآن  تُدار على شاشات الحواسيب ، و أن الأسلحة الحالية تغيرت لطائرات بدون طيار و جيوش إلكترونية ،مما يجعل الحروب غير تقليدية  فما الداعي للتعليم العسكري ، و الجندية معاً ؟ 

الثاني :  هل دعوات التعليم العسكري تتوافق مع مجتمعاتٍ تؤمن بحرية الفكر و النقد و تخشى أن يتحول التعليم العسكري لأداة توجيه سياسي أو إيديولوجي و هل هذا سيؤدي لتسيس المؤسسة التعليمية والتي قد تُستخدم لترسيخ فكرة الولاء السياسي بدلاً من الانتماء الوطني المتوازن 

كما ما ملاءمة الأجواء العسكرية لبيئة تعليمية إنسانية يُفترض فيها التنوع العاطفي  و الاجتماعي للطلاب ؟ 

الأمر الذي يجعلنا نجدد مفهوم الجندية  خاصةً و أن أدوات الصراع فلم تعد تُقاس بعدد الجيوش بل بالمواطن و انضباطه و قدرته على الدفاع عن وطنه بالفكر والعلم قبل السلاح 

فالجندية المقصودة تعني جندية العقل و الضمير قبل الميدان 

هي ليست سلاحاً فقط  ولا مجرد ثكنات فحسب بل منظومة قيم من الصبر و الطاعة و التضحية و النظام 

وهذا ما يفقده شباب اليوم الذي لم يعد يؤمن بالانتظار و نشأ على الاختصار و ثقافة الرد الفوري و الاندفاع  و الفوضى دون مسؤولية الأمر الذي يجعل الخيانة أقرب إليه من الولاء . 

هنا تأتي ضرورة إعادة التوازن بتأصيل جندية القلب و العقل التي تصنع الفارق بين أممٍ تنهض و أخرى تتهاوى 

فالجندية ليست بزة عسكرية ولا رتبة تُعلق على الكتف بل روح تصبر حين يجزع الجميع و تثبت حين يتراجع الجمع


لذا فتطوير التعليم العسكري واجبٌ بحيث لا يتوقف على التدريب الميداني و البدني فحسب بل لغرس القيم الأخلاقية و الوطنية و المهارات الرقمية و الأمنية وهذا ليس تخلياً عن المبدأ العسكري بل ليتلاءم مع روح العصر فالحروب لم تعد تُكسب بالبندقية، فالمواطن الذي يحافظ على المال العام و يحترم القانون و يُسهم في استقرار وطنه هو جندي في معركة الكرامة الوطنية 

 فتتحول الجندية لقيم تشمل التعليم و البحث العلمي و المواطنة الرقمية و الدفاع عن الهوية في وجه الغزو الثقافي و اكتساب مهارات الأمن السيبراني و الذكاء الاصطناعي مع وبذلك نحقق تماسكاً اجتماعياً يوازي الترسانة العسكرية

نربي بذلك جنوداً تعرف المواطنة الحقة فتختفي الخيانات التي تأتي في نهاية النفق المظلم كتلك التي أسقطت الصحافي صالح الجعفراوي  . 

ولنعلم  أنه حينما تختلط القيم و يعلو الصوت على الفكرة ، و يُستبدل العمق بالسطح و العزيمة بالضجيج سيصبح  

الجندي وحده واقفاً على حافة الفناء بإرادته ليقول أن البقاء للمعنى  وربما في آخر الزمان حين يركض كل شئ نحو نهايته سيقف الجندي آخر ما تبقى من الذاكرة الصلبة للإنسان كصلاة أخيرة للعقل و الضمير كإعلان أن النظام لم يمت و أنه آخر درس في الانضباط في زمن انحلّت فيه الروابط و تكاثرت  فيه الخيانات  

من رماد غزة نتعلم أن التعليم العسكري ليس إعدادًا للمعركة فقط، بل تربية على النجاة بالكرامة.


وأن الجندية، في معناها الأسمى، ليست نقيض الحرية، بل شرطها الأول  وأن المجتمعات العربية و الاسلامية بحاجة للتعليم العسكري الذي لا يعني انضباطا شكلياً بل تمريناً على فهم العالم الذي لم يعد يحمي الضعفاء  


فمن لا يتقن الدفاع عن الأرض والفكرة، لا يحق له أن يدّعي السلام . 




        مي فاروق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022