محمد جراح يكتب: البروباجندا وسرديات رمسيس الثاني 1
محمدجراح
من المسلم به أن كل أمم العالم القديم لجأت إلى الكتابة والتدوين لتسجيل تاريخها ومآثرها، ولم يخل تاريخ واحدة من مفاخرة تلبستها في كثير من الأحيان مبالغات وادعاءات حاولت فيه هذه الأمة أو تلك أن تؤكد لنفسها؛ وتثبت لغيرها أنها تمتلك من الإرث الحضاري والمعرفة والقوة ما تتيه به وتفاخر على من سواها، ومنذ عرفت الكتابة ظل التدوين على الدوام والمبالغة فيه مظهراً ومطلباً لتأكيد قوة الحكم ومتانة أركان البيت الحاكم من ناحية، ولتأكيد السيادة على الشعوب الأخرى متى كان هناك ما يشير إلى سيادة من نوع ما.
ومثلما كان اكتشاف أو توصل الإنسان القديم إلى الكتابة والقراءة هو المفتاح أو الأداة التي مكنت القدماء من تسجيل تراثهم ومعاملاتهم؛ فقد كانت أيضاً الوسيلة التي وظفها الحكام لتسجيل كل ما يرغبونه ويوحون به إلى سدنتهم، والإشارات على ذلك كثيرة سواء اكان في مصر القديمة، أو العراق القديم؛ أو حتى في الصين وغيرها من الأمم اللاحقة. فقد لجأ الجميع إلى التدوين وربما المبالغة والمغالاة في التفاخر الذي كان بعضه أصيل وغير قليل منه ما اتسم بالمبالغة والتهويل!.
والمتتبع لحضارة المصريين القدماء ومنذ أن اهتدت مصر إلى الكتابة وعملت على تطوير خطوطها حتى صارت اللغة تكتب بثلاثة خطوط بها الكثير من الاختصارات في رسم وسمت الحرف ليناسب في شكله النهائي سرعة إيقاع الحياة، فكان الخط الأول هو الخط المقدس أو ما يعرف بالخط الهيروغليفي وظل هذا الخط وقفاً على النصوص البارزة والغائرة التي تزين واجهات وصروح المعابد؛ ومقابر النبلاء وعلية القوم. وفي المعابد طور الكهنة الخط واختصروا الأشكال التصويرية في أشكال جديدة أكثر ليونة وتجريد وعُرف هذا الخط باسم الخط الهيراطي أو الهيراطيقي أي الخط الكهني، وبالطبع كان كهنة المعابد هم من يكتبون ويتراسلون بذلك النوع من خطوط اللغة، أما في الحياة العامة فقد تم تجريد الحروف من كل زخرف؛ واختصرت الأشكال والصور حتى صارت أشبه بحروف انتجت لنا نوعاً جديداً من الخطوط هو الخط الديموطي أو الديموطيقي؛ وهو الخط الشعبي الذي اقترب يشدة من شكل الحروف المجردة، وكان هذا النوع من الخطوط مستعملاً في مجريات الحياة اليومية وإيقاعها المتسارع.
وإذا كان التدوين في مراحله المبكرة قد ابتدأ بما هو معتاد من كتابة وتسجيل النصوص والتعاليم الدينية؛ والأدعية ولاابتهالات كما هو واضح بجلاء في في المعابد والمقابر التي احتوت جدرانها عليها، فإن مثل تلك الأبنية، والصروح؛ والأفنية؛ والأعمدة؛ والمسلات؛ بل وحتى التماثيل الشخصية قد صارت سجلاً للأحداث التاريخية من معارك وحروب وملاحم جنباً إلى جنب مع الكتابات العقائدية التي تتناول شأن الحياة الأخروية، والنعيم والخلود والحياة السرمدية التي يتمناها الملك أو هذا الشخص أو ذاك بعد رحلة انتقاله من الحياة على الأرض إلى النعيم المقيم في جنة "إيارو"(1)
ويستطيع الدارس للحضارة المصرية القديمة أن يلاحظ أن جدران المقابر ومنازل الآخرة قد تفردت بنصوص وصور تخص صاحبها وتعكس بشكل او بآخر مسيرة حياته ومراده في ىخرته؛ فعددت وظائف صاحب المقبرة، وسجلت الكثير والكثير من الصور والكتابات التي تعكس مظاهر الحياة اليومية من أعمال الفلاحة والصيد والقنص بما لها من مدلولات تتعلق بشكل الحياة في العالم الذي سينتقل إليه المتوفى، في حين كانت صروح وقاعات بيوت الأرباب سجلاً مفروداً للمعارك والحروب
والانتصارات وغيرها من الملاحم التي سحقت أو أخضعت الأعداء بما مثل في النهاية سجلاً تاريخياً استطاع من خلاله المؤرخون؛ وعلماء الآثار من نفسير وترتيب كثير من الحوادث؛ ومعها السير الشخصية لهذا الملك أو الحاكم أو ذاك كما تجلى لنا بشكل واضح في عصر الدولة الحديثة وخصوصاً عند كل من تحتمس الثالث، ورمسيس الثاني، بل إن بعض الملوك لم يستنكفوا الكتابة والتدوين عمن سبقوهم من الآباء والجدود فاضاءوا بما كتبوه مساحات كان بها غيم عن ملوك بعينهم مثلما فعل رمسيس الثاني فيما دونه عن أبيه الملك سيتي الأول.
الهرم قبس من الضياء المسطور
على الرغم من كثرة ما قيل من تفسير بخصوص الأهرامات المصرية وأسرارها فإن الهدف المعروف لنا حتى الآن أنها بنيت في عصر الدولة القديمة في ترتيب فترات حكم الأسرات المصرية حسب تقسيم مانيتون(2) لتكون مستقراً ومراقد لأصحابها في توابيتهم الحجرية؛ ومن حولهم متاعهم في انتظار البعث والخلود في الديار السرمدية، وبالطبع كانت الأهرامات من بين الوسائل التي وجد فيها المصري القديم مساحات واسعة للتدوين العقائدي والحياتي فيما يخص صاحب الهرم أو المقبرة.
ومن المعروف أن الأهرامات جميعها كانت مكسوة بطبقة من الأحجار الجيرية البيضاء، وكانت في انحدار جوانبها ذات أسطح ملساء مكنت من تولوا أمر النقش والتدوين من كتابة وتدوين ما أُمروا أن يسجلوه على تلك الجدران الفسيحة، وقد استخدم الكُتَّاب والنقاشون الأحبار الملونة في تزيين النقوش التي كان الضياء الهابط عليها من قرص الشمس يزيدها جمالاً وبهاء. أما دليلنا على أن تلك الأهرامات كانت مكسوة بالحجر الجيري الأبيض المصقول بالملاط الأبيض الذي يشبه مادة "الجبس" فهو ما تبقى من كسوة الهرم الثاني للملك خعفرع رابع ملوك الأسرة الرابعة (3)؛ ويعتقد أن الكتابات كانت من أحبار وألوان تتحمل تقلبات الطقس، وعلى الرغم من بقاء ذلك الجزء الصغير من كسوة الهرم الثاني إلا أنه يخلو من النقوش التي ربما بليت وتبخرت أحبارها مع توالي السنوات والقرون التي نالت من الهرم وصاحبيه وبل ومن كل الأهرامات الصغيرة المجاورة لكل من الهرمين الأول والثالث، كما اختفى كذلك ذلك الهريم الصغير الذي كان يوضع على قمة الهرم والذي كان يُصفَّح برقائق ذهبية ليعكس ضياء "رع" كلما أشرقت الشمس في وجوه الزائرين والمتعبدين.
وإذا كانت كتابات حوائط الأهرامات قد انمحت وضاع اثرها فإن كتابات مقابر النبلاء المحيطة بها بقيت كما هي خالدة، بل وما يزال بعضها يحتفظ بألوانه، ذلك لأنها كانت بعيدة عن عوامل الطقس من ناحية، ولأنها كانت منحوته إما بالنحت البارز أو الغائر في الجدان الداخلية وصولاً إلى بئر الدفن. ومن ناحية أخرى؛ وفي عصر الدولة القديمة أيضاً وتحديداً في فترة حكم الأسرة الخامسة تكونت المجموعات الهرمية من معبد للوادي ثم الطريق الصاعد ثم المعبد الجنائزي فمعبد الشمس الذي حل محل الهرم أو المقبرة، كما تقدمت وتوسطت تلك المعابد كثير من ذلك الشكل المخروطي المسمى باسم "المسلة"، وهي من رموز الخلق والشمس في آن واحد، ومن المعروف أن عقيدة الشمس كانت هي السائدة طوال فترة حكم الدولة القديمة. واستمر الحال على ما هوعليه من التدوين على جدران المقابر والمعابد وغيرها من المزارات في عصر الدولة الوسطى وهو الأمر الذي ظل سائراً في عصر الدولة الحديثة، وزيدت عليه اللوحات التي أمر الملوك بتثبيتها في أماكن محددة أكثرها كان يقع خارج الحدود المعروفة ويقوم في مناطق النفوذ مثلما فعل رمسيس الثاني وغيره في مناطق نفوذ الإمبراطورية في الشام القديم، وكانت كلها لوحات تحمل من النصوص ما يؤكد السطوة والقوة واتساع النفوذ.
في عصر الدولة الحديثة
تعتبر فترة الدولة الحديثة من اكثر الفترات ثراء بالكتابة والتدوين، فقد بدأ هذا العصر بملحمة خالدة وهي طرد الملك "أحمس" للهكسوس الذين ظلوا يحكمون ويتحكمون في أقدار البلد لعدة قرون، ولأن الفرحة كانت غامرة كان التدوين غزيراً وهو يسجل ويذكر ويشير ويؤرخ لتلك الملحمة الني تعددت فصولها وقد سبق "أحمس" عدة ملوك مهدوا له الطريق، وأبلوا البلاء الحسن منهم الملك "سقنن رع"، كما كان لبعض نساء أولئك الذين سبقوا أحمس أدواراً مهمة ومنهم الملكتان "تتي شيري" و"أحمس نفرتاري"؛ وغيرهما
ومثلما دون الكتاب عن عصر "أحمس" دونوا كثيراً عن ملحمة الملك "تحتمس الثالث" في "مجدو"(4)، وهو الذي شيد مجد الإمبراطورية المصرية ووصل بنفوذها حتى دجلة والفرات والأناضول في الشرق والشمال، وما يلي الجندل الرابع في بلاد النوية جنوباً، وحتى برقة في أواسط ليبيا غرباً، ومن بعده أتى الملك "رمسيس الثاني" فبالغ في التدوين الذي وصل إلى حد الإسراف والمغالاة خصوصاً بعد خوضه لمعركة "قادش"(5) التي واجه فيها الحيثيين وحلفائهم .
هوامش
----------------
(1) إيارو هو اسم الجنة في اللغة المصرية القديمة
(2) مانيتون مؤرخ وكاهن مصري قديم يعرف باسم مانيتون السمنودي، وإليه يعود الفضل في تقسيم فترات حكم ملوك مصر القدامى في ثلاثين أسرة توالت على عرش مصر، عاش في الفترة البطلمية حوالي عام 280 ق . م
(3) حكم خعفرع بعد كل من سنفرو وخوفو وجدفرع، ولا تزال بقايا هرم جدفرع باقية في منطقة أبي رواش إلى الشمال من هضبة الأهرامات، وقد اختار جدفرع ذلك المكان لأسباب يرى البعض من علماء الآثار أنه لميكن من زوجة شرعية لأبيه، وكانت هناك مشاكل على العرش اضطرته إلى الابتعاد بهرمه عن المنطقة
(4) مجدو مدينة كنعانية تقع في سهل مرج بن عامر شمال فلسطين
(5) قادش مدينة تقع على بعد 30 كم جنوب غرب حمص بسوريا على الضفة الشرقية لنهر العاصي
