الاعلامية شرين فكري تكتب قصة بعنوان (غرفة الاموات)
غرفة الأموات
بقلم /شرين فكري
العناية المركزة، الداخل إليها ليس كالخارج منها
ما أفدح أن يُوضع الإنسان أمام اختيارٍ مستحيل؛ موت مفاجئ أم موت يُستنزف ببطء. الموت... ما أثقل تلك الكلمة حين يستحضر العقل رهبته وحين تتفوٍه بها القلوب . كانت روحها المكلومة قد مرّت قبل عدة أشهر بتجربة الفقد المباغت حين خطف الموت أباها. وها هو يعود إليها من جديد، ولكن هذه المرة على مهل، كأنها يعود إليها دون أن يترك لها خيار الفرار، أو كأن الزمن نفسه كان يمهّد له الطريق. فالموت يعود في جسد آخر لقريب آخر، وهي تراقب من تحب تدخل وحدة العناية المركزة، أو غرفة الأموات كما تُسميها. فالعناية المركزة في يقينها، الداخل إليها ليس كالخارج منها.
مع نسمات الصباح الفجرية، وهي ترافقها كجليس وحيد في تلك الغرفة، كان صوت خفيض من القرآن يملأ أرجاء المكان، متداخلًا مع سكون الليل وشدة ظلمته... يرتله صوت شجي فتنعم الروح بالسكينة لوهلة. لكن ما إن سكتت تلك النبرات الرنانة ويغيب ذلك الصوت الملائكي، حتى يتسلل الفزع ويتكاثف القلق مما هو آت فيملأ صدرها . فهذا مكان مخيف، ينقبض له القلب لحظة أن تتخطى قدم أيّ شخص عتبته ... مكان معبأ دومًا برائحة الأدوية والهواء البارد ، ثم رائحة الأموات التي تفوح في الأرجاء، قبل أن تبدأ الأفواه بالصراخ على فقدان عزيز مسجي على أحد تلك الأسِرّة .
كانت تمشي بخطوات مترددة، ينهشها الخوف والقلق، حينما خطت قدماها هذا المكان لأول مرة ، لترى عزيزها يصارع الموت بين أروقة الحجرة .في تلك الحجرة وجوه كثيرة شاحبة اللون تموت ببطء، تتأوه وتتوجع في صمت مع مرضها الطويل. وعقول أخرى تائهة، و قلوب تستجير بخالقها، وأرواح تترقب اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت ... معلقون جميعًا بين الأمل والرجاء، متشبثين بتلك الحكمة " مهما اشتد ظلام الليل وطال، لا بد أن يشرق النهار ويأتي الفرج، وتزول الهموم" .
إحساس شنيع أن ترى أغلى ما تملك يحتضر أمام عينيك ولا يسعك أن تفعل شيئًا لإنقاذه، كأنك مكبل اليدين. ويتضاعف هذا وجع حين يكون تجاه مَنْ كانت موطنًا للراحة والسعادة، مَنْ كافحت كثيرًا لتنعم بالسكينة والاستقرار " أمك ". فهي الملاذ الآمن والحصن المنيع الذي يختبئ فيه فلذة أكبادها مهما كبروا في العمر.
الله وحده فقط بيده الحانية، القادر على أن يطيب الأرواح التي تتألم بصمت، ويمتد الحزن في كل أرجاء القلب، حين تصفعه بقسوة لا تحتمل، وهو يقاوم بين الحياة والموت. فلا توجد أي مواساة من الممكن أن تزيله إلا رحمته. حقا فما أقسى ذلك الحد الفاصل، بين الموت المباغت وبين انتظار لحظته.
أمي، استودعتكِ الذي توفاكِ، وأمات قلبي حزنًا عليكِ… غيابكِ الآن يثقل أنفاسي، وأتعثر في الحياة بعدك، وأحاول أن أتعلم قسوتها من دونك.
#شيرين_ فكري
#شيري💜💜💜
فجر الجمعة 26ديسمبر 2025 ... 6رجب 1447
