شرين فكري تكتب: القراءة ... مسافر بلا أجنحة نحن لسنا بخير ما دمنا لا نقرأ
بقلم /شرين فكري
" اقرأ باسم ربك الذي خلق "
الآية الأولى من سورة العلق، وأول ما نزل من القرآن الكريم من عند الله عز وجل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في غار حراء، حين كان يتعبد. إذ طلب منه أمين الوحي جبريل عليه السلام أن يقرأ، فردّ قائلًا: "ما أنا بقارئ"، فأخذه فغطّه ثلاث مرات، حتى تلقّى الوحي، وتعلّم ما أُوحي إليه، ليعلّمه للناس. فكانت القراءة أول عهد الرسالة، وأول مفاتيح الوعي.من هنا تكمن أهمية القراءة في حياة البشر، تلك التي بدأها ربّ الكون مع بداية الخليقة، بالأمر بالقراءة، وتعلّم القرآن، والعلوم معًا.
ويظل السؤال مطروحًا كلما قلنا لأحدهم:" ا قرأ "... ماذا تعني القراءة؟ ولماذا نقرأ؟ وما جدوى القراءة حين نفتح جريدة، أو كتابًا، أو نغوص في رواية وقصة، أو حتى نقلب صفحات مجلة؟ هل نقرأ لمجرد معرفة ما يدور حولنا من أحداث قد تغيّر مجرى حياتنا اليومية؟أم نقرأ لنحفظ ما هو مقرر، فنتعلّم لننجح، ثم ننسى ما تمّ حشوه داخل عقولنا؟ أم نقرأ لأن حياةً واحدة لا تكفي؟ أم نقرأ كي لا ننام بالعقل ذاته الذي نستيقظ به؟ أم نقرأ لنبحث عن أنفسنا بين آلاف السطور؟ أم لاكتشاف ما يدور في أذهان الآخرين، ورؤية عوالمهم دون حواجز ؟. القراءة كلّ هذا وأكثر، لكلّ من أحبّ المعرفة، وامتلك فضول العبور إلى عالمٍ آخر، يغيب عن أسماعنا وأبصارنا. وكما يُقال: " اقرأ بودانك "، لنتعلّم ونُعلّم. فالقراءة تمنح ما لا يمنحه البشر؛ فهي تحكي فقط، دون إطلاق أحكام. نقرأ لمن يسردون تجاربهم ونظرياتهم في الحياة، لعلّ غيرهم يستفيد ويتعلّم. وكذلك نقرأ لمن يلامسون الواقع، ولمن يكتبون غير المألوف، فيخلقون شخصياتٍ خيالية، يفرغونها في رواياتٍ مشوّقة، وقصصٍ ساحرة، تجذب القلوب وتبهر العقول. فالقراءة مفتاح الحياة، وعمارة العقول.
لا أحد ينكر أهمية القراءة في حياتنا، رغم أننا أمة لا تقرأ كما يُقال. ولا يكتشف أحد سحرها الحقيقي إلا عندما يبدأ بالقراءة فعلا. فكلما قرأنا، تدفقت أنهار من الكلمات، وتبلورت في عقولنا، وانعكست على أفكارنا وتصرفاتنا، قادرة على أن تغيّرنا من الداخل قبل أي شيء آخر. السفر وليس مستحيلاً ولا مكلفًا … فقط اقرأ كل يوم، ثقّف نفسك، وثق أنك ستتغير كثيرًا من داخلك. فالقراءة تعيد تشكيل جغرافية تفكيرنا، وتفتح أمامنا آفاقًا لم نعرفها من قبل . مع القراءة تتسع مدارك عقولنا، وتصبح لدينا القدرة على التعامل مع الآخرين، حتى في المواقف التي تتبلد فيها وجوهنا، وتتسمر فيها أرواحنا (كتمثال أو عمود إنارة)، عاجزين عن التصرف بحكمة.. القراءة عالم آخر، تمتلكه وحدك عبر كل الأزمنة. هي حلم ومتعة، طاقة روحية وحرية. وحين ننتهي من قراءة أي عمل إبداعي، لا نعود كما كنا، بل نحمل أثره تحت جلدنا، ولا نخرج من أي كتاب كما دخلناه. القراءة مرآتك نحو العالم الخارجي. فاشحن عقلك دائمًا بالقراءة، لتُنير لك ما كنت تجهله في حياتك. فنحن لسنا بخير ما دمنا لا نقرأ.
فالقراءة تعني اكتشاف معلومة جديدة، ومعرفة ما كان غامضًا عنا، لتدفعنا للبحث والتعلم. فالقراءة هي السفر إلى أبعد الأماكن، ربما كنا نعرفها أو نجهلها، دون أن نغادر أماكننا. تتولد بداخلنا متعة الخيال مع كل كلمة ، وكل وصف نقرؤه عن هذه البلدان والحضارات. القراءة تجول بك وأنت في مكانك، بين عقول الآخرين، لترى أفكارهم ورؤاهم دون حواجز. وما أجمل التنزّه في عقول البشر … فقط مع القراءة. هي مغامرة عبر الزمن، لعقود لم نعشها لكنها كُتبت لتظل محفورة في تاريخ الإنسانية، موثّقة في كتب وموسوعات وروايات، لتكون دليلًا لأجيالٍ وأجيال. وبين صفحات الكتاب، تسافر حول العالم، إلى أماكن لم تتمكن يومًا من زيارتها، فتشعر بقيمتها، وتلامس أحداثها، وتعيش تاريخًا لم تعاصره. فالقراءة حياة بلا جهل، وبلا تحجّر للعقول.
مع متعة القراءة، نتجول بها ومعها في كل ما هو غير متاح، ربما لم تسمح الظروف بتجربته على أرض الواقع. معها نسرح بخيالنا لأي مكان وزمان، دون حدود لسقف الطموح والآمال، فهي تأخذنا من أرض الواقع الذي نعيشه، وتحلق بنا عالياً إلى عنان السماء، لعالم من الأحلام والخيال، وأحيانًا الغموض. فلولا القراءة، لما عاشت الكثير من النفوس والقلوب على أحلامها التي لا تتحقق في الواقع. وكما يُقال: "لولا الأحلام، لماتت عقولنا اختناقًا بما يفعله الواقع".لهذا تبقى القراءة والكتاب الكنز الحقيقي، فهو خير جليس، وأطيب ونيس لكل من ضاقت به الحياة، أو أراد الهروب من صخبها وصمتها. فالكتب تطوف بك حول العالم بوجدانك، وهي أفضل رفيق، لا يمل من العطاء، وبحر لا حدود له، تهرب فيه، ومعه، ومعه كل المشاعر. القراءة كالشجرة المثمرة؛ اقرأوا، فالكتاب غذاء للعقل والروح، وأحيانًا للقلب حين يلامس مشاعرنا في أصعب اللحظات وأجمل الأوقات. فأنت حرّ مادمت تقرأ.
ختامًا، ها هو معرض القاهرة الدولي للكتاب فتح أبوابه… إليكم الفرصة! اذهبوا مع أصحابكم، أولادكم، عائلتكم، أو حتى وحدكم، فهو سيكون رفيقكم اليومي بطريقة خفيفة كالريح، تنعش روحكم وعقولكم، وتطبطب على قلوبكم.... فقط اذهبوا. اكتشفوا عوالم وحيوات جديدة بين آلاف الكتب، ولن تندموا يومًا على هذه التجربة. ستجدون كل ما ترغبون فيه، وما لم تتوقعوه من سحر الكلمات من خلال القراءة.
اقرأوا لتصعدوا بأمانيكم وطموحاتكم إلى حيز التنفيذ. اقرأوا لتبنوا عقول أجيال قادرة على تحمل المسؤولية منذ الصغر. اقرأوا لتعيشوا أحلامًا حتى ولو لم تتحقق، وتبقى مجرد خيال. اقرأوا لتؤثروا بأفكاركم على العالم. وعوّدوا أولادكم على القراءة منذ الصغر، فهي المتعة الحقيقية التي لا تنتهي، بسحرها الخاص لكل من يسعى للاستفادة من تجارب الآخرين، أو للهروب إلى عالم آخر من الاكتشاف والأحلام والخيال والغموض، ليجد ما يبحث عنه داخل طيات الكتب. صاحب الكتاب تلقى لكل سؤال جواب، فهناك دائمًا جديد لتكتشفه وتتعلمه بين صفحات هذا العالم الساحر. وكما يُقال: "هذه الدُنيا كتاب، سافروا كي تَقروأهَا".
#دمتم عشاق لرائحة الكتب
#لحظة_سكون
#أحلام_صهيل_الخيول
#شظايا_القدر
#شيرين_فكري
#شيري💜💜💜
27 يناير 2026
