جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

«حين تُخونُ المرآة: قراءةٌ نقديّة لفيروز المخول في نص د. سحر الحسيني

 يخلق دمج تُخونُ المرآة: قراءةٌ نقديّة لفيروز المخول في نص د. سحر الحسيني»

بقلم الناقدة /فيروز المخول 


الناقدة فيروز المخول 


مدخل: النصّ بوصفه مواجهة لا قراءة

نصّ د. سحر الحسيني لا يُقرأ قراءةً عابرة، إنما يُواجَه كما تُواجَه مرآةٌ قاسية؛ لا لتُرينا ملامحنا، بل لتكشف ما انكسر منها.

اللازمة المفتاح: “أنا والليل… وحديثٌ لم يُقَل”

منذ اللازمة الأولى:

«أنا والليل… وحديثٌ لم يُقَل»

هي تفتح بابًا على عتمةٍ ليست خارجية، بل داخلية مُحكمة الإغلاق. الليل هنا لم يكن زمنًا، إنما كيانٌ موازٍ، شريك في الوجود، أو ربّما شاهدٌ صامت على انقسام الذات. يتكرّر كجملةٍ طقسية، كأنها تعود إليه لا لتبدأ، لكن لتتأكد أن التيه ما زال في مكانه.

خيانة المرآة: ارتباك الإدراك وفقدان الثقة بالصورة

المرآة في نصّها ليست أداة انعكاس، إنما أداة خيانة معرفية.

هي لا تعكسها، بل تعيد صياغتها بنحوٍ معكوس تُبقي الشبه وتُشيع الفقد. وهنا تكمن براعة الصورة؛ لأن الخيانة لا تمثل إخفاء الحقيقة فقط، إنما هي تقديم نسخةٍ ناقصة منها، مقنعة بما يكفي لتُربك الإدراك. هي لا تفقد صورتها، بل تفقد الثقة في إمكانية الوصول إليها.

المسافة المستحيلة: بيني وبيني كفجوة وجودية

ثم تأتي الحركة الأكثر إيلامًا:

«أمدّني نحوي… فلا أبلغ»

هذه ليست مسافة جسدية، بل فجوة وجودية. كأن الذات انشطرت إلى ذاتين: واحدة تحاول الوصول، وأخرى تنسحب كلما اقتربت. القياس هنا عبثي: «لأقيس المسافة بيني وبيني»، لأن الأداة (اليد) تنتمي إلى طرفٍ من الانقسام، فلا يمكنها أن تُدرك الكلّ. النتيجة الحتمية: لمس الغياب بدل الحضور.

الذاكرة كسلطة: حين يحتلّ الماضي مكانه

الذاكرة في نصّها ليست خزانًا فقط، بل كيانٌ مُراوغ.

تدخل، تجلس، تستقر… كأنها شخصٌ يحتلّ المكان، لا مجرد استرجاع. والجميل أنها لم تجعل الذكرى حنينًا، بل سلطة: تترك اسمها يرتجف، وتعيد الأسئلة إليها دون أن تمنحها حق الإجابة. هنا يتحوّل الصمت من عجزٍ إلى وظيفة:

«لأجيب عمّا لم يُسأل»—مفارقة تُكثّف عبثية الحوار الداخلي.

الكتاب المُحرَّف: تشظّي السرد وانهيار الحقيقة

الكتاب المحرّف الحواف صورة لافتة:

ذاكرةٌ بلا انسجام، صفحاتٌ تنكر بعضها، وسطورٌ تفضحها ثم تتبرّأ. كأن الحقيقة نفسها غير مستقرة، أو أن الذات فقدت القدرة على تثبيت رواية واحدة عن نفسها. هذا التشظّي المعرفي يعمّق الإحساس بأن الضياع ليس فقدانًا لشيءٍ خارجي، بل انهيار في بنية الإدراك ذاتها.

انفصال الحزن: “هذه الدموع ليست لي”

في المقطع الذي تقول فيه:

«هذه الدموع ليست لي…»

تصل إلى ذروة الانفصال: حتى الحزن لم يعد ملكها. تُسنده إلى «امرأةٍ صدّقت ظلّها»—وهنا يتجلّى أخطر أشكال الخيانة، أن نثق في انعكاس لا أصل له. الظلّ الذي «خانها… وظلّ» يحمل مفارقة دقيقة؛ فالخيانة لا تُنهي العلاقة، بل تُبقيها في شكلٍ أشدّ قسوة: حضور بلا صدق.

مجرة الصمت: الغياب ككائن مُقيم

أما «مجرة الصمت»، فهي من أقوى صور النص:

الصمت ليس فراغًا، إنما نظامٌ كونيّ مغلق، له جاذبيته وقوانينه. تستضيف فيه الغياب كضيفٍ ثقيل، لا يغادر ولا يعتذر—وهنا يتحوّل الغياب إلى كائنٍ مقيم، له ثقلٌ نفسي لا يُحتمل، لكنه أيضًا مألوف بما يكفي ليبقى.

أسئلة الوجود: مَن يُؤلّف مَن؟

في المقطع الفلسفي المتوالي—«أيّنا يؤلّف الآخر؟»—

تدخل منطقة تأمّل وجودي صريح.

الأسئلة لا تبحث عن إجابة، بل تُفكّك العلاقة بين «الأنا» و«الوجع» و«الصمت». هل الألم ناتجٌ عنها، أم أنها نتاجه؟ هل تكتبه، أم يكتبها؟ هذا التبادل في الأدوار يخلق حالة من اللايقين؛ لا وجود لذاتٍ ثابتة، بل عملية تشكيل مستمرة، يتنازعها الداخل والخارج.

ذروة الاعتراف: “لم أفقدك… فقدت نفسي”

ثم تأتي الخلاصة العاطفية الأكثر صفاءً ووجعًا:

«لم أفقدك… فقدت نفسي»

هنا ينقلب التصوّر التقليدي للفقد. الخسارة لم تكن في الآخر، إنما في التنازل عن الذات أثناء محاولة الاحتفاظ به. الحب لم يكن إضافة، بل استنزافًا تدريجيًا:

«كنتُ أتناقص كي يكتمل حضورك»

هذه الجملة وحدها تختصر مسار النص كله؛ إنها معادلة غير عادلة: اكتماله مشروطٌ بتلاشيها.

الذوبان في الآخر: دخولٌ فيه وخروجٌ من الذات

وتبلغ الذروة في:

«كنتُ أدخلُك… وأخرجُ منّي»

صورة مدهشة، لأنها تعكس اتجاه الحركة: بدل أن يحتويها الآخر، هي التي تُفرغ نفسها داخله. النتيجة ليست اتحادًا، إنما اختفاء تدريجي للحدود، ينتهي بذوبانها الكامل.

ثنائيات متداخلة: حين يفقد الضدّ تعريفه

النص في مجمله قائم على ثنائيات متقابلة:

الحضور/الغياب، الاسم/اللااسم،

الصوت/الصمت، المرآة/الحقيقة.

لكنها لا تقدّمها كأضدادٍ واضحة، بل كحالاتٍ متداخلة، يتسرّب كلٌّ منها إلى الآخر حتى يفقد تعريفه.

جماليات التكرار: النبض لا الحشو

أسلوبيًا، التكرار ليس حشوًا، إنما نبض.

اللازمة «أنا والليل… وحديث لم يُقل» تعمل كمرساة، تعيد القارئ كل مرة إلى نقطة البدء، لتؤكد أن الدائرة لم تُكسر. وكذلك الأسئلة المتتالية لم تكن تكرارًا معنويًا، بل تصعيدٌ تدريجي في عمق الحيرة.

الخاتمة: نصّ عن فقدان المركز وإعادة تشكيل الكائن

باختصار دقيق:

هذا نصّ عن فقدان المركز. عن ذاتٍ خرجت من نفسها وهي تظن أنها تقترب من الآخر، فاكتشفت أنها فقدت الطريقين معًا.

نصّ د. سحر الحسيني لا يطلب التعاطف، بل يفرض التأمّل.

ولا يكتفي بوصف الألم، بل يعيد تعريفه كقوةٍ تُعيد تشكيل الكائن.

ولو أردنا جملةً واحدة تختزل أثره:

هذا نصّ يجعل القارئ لا يقول “ما أجمله”، لكنه يتمتم فعلًا: الله… الله… الله؛ لأنه لا يلمس اللغة فقط، بل يمسّ تلك المنطقة الغامضة في الداخل حيث لا نملك أسماءً كافية لما نشعر به.

— فيروز المخول

الشاعرة والناقدة السورية المغتربة


د. سحر الحسيني 


النص هو..... 

 أنا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

أَقِفُ قِبالَتِي… فَلَا أَجِدُنِي كَمَا أَنَا

مِرْآتِي تُجِيدُ الخِيَانَةَ

تُخْفِي وَجْهِي…

وَتُعْلِنُ كَسْرِي مُكْتَمِلًا

أَمُدُّنِي نَحْوِي…

فَلَا أَبْلُغُ

أَمُدُّ كَفِّي… لِأَقِيسَ المَسَافَةَ بَيْنِي وَبَيْنِي

فَلَا أَلْمَسُ إِلَّا غِيَابِي

كَأَنَّنِي… مَرَرْتُ مِنْ هُنَا وَلَمْ أُقِمْ

أَنَا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

أَفْتَحُ قَلْبِي نَافِذَةً بِلَا حِرَاسَةٍ

تَدْخُلُ الذِّكْرَى… تَجْلِسُ حَيْثُ كُنْتَ… تَسْتَقِرُّ بِمَوْضِعِكَ

تَتْرُكُ اسْمِي… يَرْتَجِفُ

كُلُّ الأَسْئِلَةِ تَعُودُ إِلَيَّ

وَأَنَا… أَنَا… لَا أَمْلِكُ غَيْرَ الصَّمْتِ

لِأُجِيبَ عَمَّا لَمْ يُسْأَلْ

أُقَلِّبُ الذَّاكِرَةَ كَكِتَابٍ مُحَرَّفِ الحَوَافِّ

كُلُّ صَفْحَةٍ تُنْكِرُ أُخْتَهَا

وَكُلُّ سَطْرٍ يَشِي بِي ثُمَّ يَتَبَرَّأُ

أَنَا وَاللَّيْلُ وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ…

هَذِهِ الدُّمُوعُ لَيْسَتْ لِي

هِيَ لِامْرَأَةٍ صَدَّقَتْ ظِلَّهَا

حَتَّى حِينَ خَانَهَا… وَظَلَّ

أُدِيرُ فِي صَدْرِي مَجَرَّةَ صَمْتٍ مُحْكَمَةٍ

وَأَسْتَضِيفُ الغِيَابَ كَضَيْفٍ ثَقِيلٍ

لَا يُحْسِنُ المُغَادَرَةَ، وَلَا يَعْتَذِرُ عَمَّا تَرَكَ

أَنَا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

أُقَايِضُ نَبْضِي بِمَا تَبَقَّى مِنِ احْتِمَالِي

فَإِنْ رَبِحْتُ سُكُونًا خَسِرْتُ اسْمِي

وَإِنْ رَبِحْتُ اسْمِي… تَهَشَّمَ المَعْنَى

أَقِفُ بِإِزَائِي… فَلَا أَلْتَقِي

كَأَنَّ المِرْآةَ تُعِيدُ صِيَاغَتِي بِنَحْوٍ مُعَاكِسٍ

تُبْقِي الشَّبَهَ… وَتَسْتَبْقِي الفَقْدَ

أَنَا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

أَيُّنَا يُؤَلِّفُ الآخَرَ؟

أَنَا حِينَ أَتَهَجَّى وَجَعِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يَكْتُبُنِي عَلَى هَيْئَةِ صَمْتٍ مُقِيمٍ؟

أَيُّنَا يَصُوغُ الآخَرَ؟

أَأَنَا حِينَ أُرَتِّبُ انْكِسَارِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُعِيدُ تَرْتِيبِي كَصَمْتٍ دَائِمٍ؟

مَنْ يَخْلُقُ مَنْ؟

أَنَا حِينَ أُسَمِّي وَجَعِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُجَرِّدُنِي مِنِ اسْمِي وَيُبْقِينِي أَثَرًا؟

مَنْ يَكْتُبُ سِفْرَ الآخَرِ؟

أَنَا حِينَ أُدَوِّنُ رَعْشَتِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يَخُطُّنِي بَيْنَ السُّطُورِ غِيَابًا مُسْتَقِرًّا؟

أَنَا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

مَنْ يَسْتَعِيرُ هَيْئَةَ مَنْ؟

أَنَا حِينَ أَلْبَسُ وَجْهِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُلْبِسُنِي قِنَاعَ الصَّمْتِ؟

أَيُّنَا يَمْتَدُّ فِي الآخَرِ؟

أَنَا حِينَ أَتْلُو وَجَعِي حَرْفًا حَرْفًا…

أَمْ هُوَ حِينَ يَتْلُونِي سُكُونًا لَا يَنْقَطِعُ؟

أَنَا وَاللَّيْلُ… وَحَدِيثٌ لَمْ يُقَلْ

مَنْ يُعِيدُ تَشْكِيلَ مَنْ؟

أَنَا حِينَ أُهَذِّبُ كَسْرِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُهَذِّبُنِي إِلَى عَدَمٍ نَاعِمٍ؟

أَيُّنَا يُقِيمُ فِي الآخَرِ؟

أَنَا حِينَ أَطْرُقُ بَابَ قَلْبِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يَسْكُنُنِي كَفَرَاغٍ مُؤَثَّثٍ؟

مَنْ يُمْلِي الحِكَايَةَ؟

أَنَا حِينَ أُرَتِّلُ وَجَعِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُرَتِّلُنِي صَمْتًا لَا يُسْمَعُ؟

أَيُّنَا يَبْتَكِرُ الآخَرَ؟

أَنَا حِينَ أُفَكِّكُ نَفْسِي…

أَمْ هُوَ حِينَ يُعِيدُ تَرْكِيبِي كَغَيْمَةٍ بِلَا مَطَرٍ؟

مَنْ يَسْبِقُ إِلَى الوُجُودِ؟

أَنَا حِينَ أَسْتَدِلُّ عَلَيَّ…

أَمْ هُوَ حِينَ يَدُلُّنِي عَلَيَّ بِوَصْفٍ لَا يَكْتَمِلُ؟

لَمْ أَفْقِدْكَ…

فَقَدْتُ نَفْسِي

حِينَ كُنْتُ أَفِيضُ عَنْ حَاجَتِي إِلَيْكَ

حِينَ كَانَ اكْتِمَالِي عَادَةً لَا تُفَكَّرُ

حِينَ كَانَ قَلْبِي بَيْتًا… لَا نُزُلًا عَابِرًا

لَمْ أَفْقِدْكَ…

أَنَا… أَنَا فَقَدْتُنِي

حِينَ لَمْ أَكُنْ أَسْتَعِيرُ ظِلًّا لِأَقِفَ

حِينَ كَانَ الضَّوْءُ يَنْبُعُ مِنِّي… لَا يُسْتَعَارُ

حِينَ كُنْتُ أُشْبِهُ اسْمِي… وَأُصَدِّقُهُ

حِينَ كَانَ قَلْبِي يَذُوبُ فِي اسْمِكَ… وَيَنْهَضُ مِنْكَ

حِينَ كُنْتُ أَظُنُّكَ نَجَاةً… فَإِذَا بِي أُؤَجِّلُ نَفْسِي

فَقَدْتُ أَنَايَ…

كُنْتُ أَتَنَاقَصُ كَيْ يَكْتَمِلَ حُضُورُكَ

أُضِيءُ لَكَ الطَّرِيقَ… وَأَمْشِي بِلَا جِهَةٍ

فَقَدْتُنِي أَنَا…

حِينَ سَلَّمْتُ اسْمِي لِظِلِّكَ… وَعُدْتُ بِلَا تَعْرِيفٍ

وَصَارَ حُبِّي لَكَ… طَرِيقَةً لِأَنْ أَفْقِدَنِي

فَقَدْتُنِي أَنَا…

حِينَ ظَنَنْتُ أَنِّي أَكْتَمِلُ بِكَ…

فَاكْتَشَفْتُ أَنِّي

كُنْتُ أَدْخُلُكَ… وَأَخْرُجُ مِنِّي

أَكْتَمِلُ فِيكَ… فَأَنْفَدُ مِنِّي

وَاكْتَشَفْتُ أَنِّي وَأَنِّي وَأَنِّي…

كُنْتُ أَغِيبُ… وَأَغِيبُ فِيكَ مِنِّي.

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022