جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

د. سحر الحسيني تكتب قصيدة بعنوان ( قلوبٌ تُعجنُ سرًّا)

 


قلوبٌ تُعجنُ سرًّا

د. سحر الحسيني

كابنةِ مدينةٍ

تغسلُ وجهَها كلَّ مساءٍ بماءِ البحر،

لا أعرفُ كيف تُقالُ الكلماتُ الكبيرة.

لا أجيدُ قولَ "ابقَ"،

وكلما هممتُ أن أفتح نافذةً في قلبي

خرجتْ مني جملةٌ باردةٌ كالمطر:

"هل تناولتَ قهوتك؟"

فاعذرني…

لأنني "هل تناولتَ قهوتك؟"

حدَّ الارتجاف.

كلما حاولتُ

أن أضع قلبي كاملًا أمامك،

وأخبركَ أنني أفتقدك،

خرجتْ من فمي جملةٌ صغيرة

ترتجفُ كعصفورٍ مبتلّ:

"هل عدتَ متعبًا؟"

فاعذرني…

فأنا

"هل عدتَ متعبًا؟"

إلى الحدِّ الذي يُرهقُ الحنان.

نحنُ أبناءُ المدنِ التي تعلّمتِ الصمت.

نمشي بأرواحٍ مالحة

من كثرةِ ما ابتلعنا البحرَ دون شكوى.

ولو أننا بكينا مرةً واحدةً فقط

لغرقتِ الأرصفة،

وهاجرَ النوارسُ من عيوننا.

نحنُ أبناءُ البيوتِ

التي كانت تُخفي فقرَها بالنظافة،

وأبناءُ الأمهاتِ

اللواتي يخبزنَ الصبرَ

ويُطعمنه للعائلة مع الشاي.

نمشي بأعينٍ داكنة

لأننا حدّقنا طويلًا

في وجوهِ الذين نحبهم

أكثرَ مما ينبغي.

ولو أننا رفعنا رؤوسنا نحو السماءِ قليلًا

لتعلّمتْ قلوبُنا الطيران،

لكن من كان سيبقى

ليحرسَ هذا العالمَ من السقوط؟

نحنُ جيلُ اغترابٍ

سيحكي طويلًا

كيف كانتِ الأمُّ تأخذنا إلى المطبخ،

لا لنتعلّمَ الطهو…

بل لنفهمَ كيف تُخفي النساءُ كسورَ أرواحهنَّ

تحتَ طبقةٍ رقيقةٍ من الدقيق.

وأنَّ العجينَ مثل القلب،

كلما عجنتهُ الحياةُ بقسوة

صار أكثرَ قدرةً على التخمّرِ والنجاة،

وأكثرَ قابليةً لأن يتنفّس.

كانتْ تُعلّمنا

كيف تُطفأ الأحزانُ على نارٍ هادئة،

لا دفعةً واحدة.

ترفعُ الغطاءَ عن قدرٍ قديم

وتقول لنا:

"إن الأشياءَ الثقيلة

لا تنضجُ بالعجلة."

وحين يحترقُ منّا انتظارٌ قديم،

وتضيقُ الجهاتُ

كقميصٍ مبتلٍّ بالحزن،

كانتْ تجلسُ قربَ النافذة،

تسكبُ الشاي للجارات

بهدوءِ امرأةٍ

تدرّبت طويلًا

على ترميم نفسها دون ضجيج.

ثم تحكي لهنّ

كيف أن الأشياءَ التي مرّتْ بالنار

لا تعودُ كما كانت…

لكنها تمنحُ البيوتَ

رائحةً لا تُنسى،

وقلبًا أكثرَ دفئًا.

حتى أمي

لم تتركني يومًا أبدو رقيقةً كما ينبغي.

كلما حاولتُ ترتيبَ فوضاي

دفعتني نحو الحياة قائلةً:

"الأيامُ لا تُربّى على الوسائد."

لم تمنحني رفاهيةَ الهشاشة.

كلما حاولتُ أن أكونَ امرأةً عادية

تنهارُ قليلًا

وتنجو قليلًا،

دفعتني نحو الحياة قائلةً:

"القلوبُ التي خُلقت للحب

يجب أن تتعلّمَ الاحتمال أيضًا."

أنا امرأةٌ

تُفسد الأشياءَ بمحبتها الزائدة.

أروي الوردَ أكثرَ مما يحتمل

فيموتُ غارقًا في الحنان.

أفتحُ النوافذَ للعابرين

فتدخلُ العواصفُ بدلَ الضوء.

وكم مرةٍ

أضعتُ قلبي في الطرقات،

ثم عدتُ أبحثُ عنه

في جيوبِ القصائد.

وفي آخرِ العمر…

لن نموتَ من الفقدِ دفعةً واحدة.

سيحدثُ الأمرُ ببطءٍ مُتقن.

لن نتذكّر الذين قالوا لنا: "نحبكم" كثيرًا،

سنتذكّر فقط

أولئك الذين أخفوا قلوبهم

داخل الأشياءِ الصغيرة.

كلما مررنا بجوارِ مخبزٍ

وتعثّرَ القلبُ برائحةٍ تشبهُ أمًّا قديمة.

كلما رأينا امرأةً

تنفضُ الدقيقَ عن كفّيها،

فنرتبكُ

دون أن نعرفَ

لماذا امتلأتْ أعينُنا بالماء.

سنكبرُ بما يكفي

لنفهمَ أن الذين كانوا يطعموننا الحبَّ

لم يقولوا اسمه يومًا.

كانوا يخفونه

في الأغطيةِ الثقيلة،

وفي انتظارهم الطويلِ خلف الأبواب،

وفي سؤالٍ صغير

يصلُ متأخرًا آخرَ الليل:

"ألن تناموا؟"

ثم ذاتَ مساء…

سنمدُّ أيدينا بلا انتباه

لنطفئ النارَ الهادئةَ تحتَ الخبز،

فنكتشفُ بفزعٍ بارد

أن أمهاتِنا

رحلن…

وتركنَ أصابعَهنّ فينا.

وأننا منذ سنوات

نعيشُ بأصواتِهنّ،

ونحزنُ بطريقتِهنّ،

ونحبُّ…

كما لو أن الحبَّ

شيءٌ يجبُ إخفاؤه

كي لا ينكسر

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022