جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

د. سحر الحسيني تكتب:«كالماءُ أزهر» حينَ يكتبُ الشاعرُ بسائلِ الروح لا بحبرِ اللغة مقاربة جمالية وفلسفية لقصيدة محمود يوسف

 




كالماءُ أزهر

حينَ يكتبُ الشاعرُ بسائلِ الروح لا بحبرِ اللغة

مقاربة جمالية وفلسفية لقصيدة محمود يوسف

د. سحر الحسيني

ثمّة قصائدُ لا تدخلُ إلى القارئ من باب المعنى، بل من شقٍّ خفيّ في الروح.

قصائد لا تُقرأ بقدر ما تُصيب.

و”كالماء أزهر” من تلك النصوص التي لا تُلقي بنفسها على الصفحة، بل تتسرّب كالرطوبة داخل جدار الوعي، حتى يصبح القارئ — دون أن ينتبه — جزءًا من مناخها النفسي.

ليست القصيدة هنا حكاية شاعرٍ يبوح، بل كائن لغوي كامل، يتنفّس، ويرتبك، ويعطش، ويتأمل العالم بعين ماءٍ خائفٍ من أن يتحوّل إلى حجر.

منذ العنوان، لا يمنحنا الشاعر مفتاحًا، بل لغزًا:

“كالماء أزهر”

فالماء لا يزهر.

الماء يسيل، يشفّ، يغرق، ينجو… لكنه لا يزهر.

وهنا تبدأ القصيدة فعلَها الحقيقي: كسر المنطق المألوف للعالم.

إن الشاعر لا يستخدم الاستعارة بوصفها زينة، بل بوصفها تمرّدًا على العلاقة التقليدية بين الأشياء.

كأن اللغة نفسها تضيق بالواقع، فتضطر إلى اختراع قوانين جديدة للرؤية.

الماءُ هنا ليس عنصرًا… بل طريقةُ وجود

حين يقول:

“كَالمَاءِ أَسرِي بينَ ظِلِ وِهادِ”

فهو لا يشبّه نفسه بالماء وحسب، بل يعيد تشكيل هويته عبره.

الماء في هذه القصيدة ليس رمزًا رومانسيًا سهلًا، بل كينونة قلقة:

لا تستقر،

لا تحتفظ بشكل،

ولا تنجو من التبدّل.

حتى الحزن عنده لا يأتي صارخًا، بل:

“تحت رمادي”

كأن الألم جمرةٌ متحضّرة.

وهذه من أخطر مناطق النص: أنه لا يستعرض الوجع، بل يُخفيه ببلاغة من تعلّم كيف يحمل احتراقه بأصابع باردة.

بلاغةُ الانقلاب: حين يعطش الماء

واحدة من أكثر الجمل توهجًا:

“كَالمَاءِ أَعطَش مثلَ أيةِ زهرةٍ”

هنا يبلغ الانزياح ذروته.

الماء — الذي يُروى به — يصبح عطِشًا.

كأن الشاعر يريد أن يقول: إن الذين يهبون العالم الحياة، هم أكثر الكائنات احتياجًا للحب.

وهذا ليس بيتًا شعريًا فقط، بل فلسفة كاملة عن البشر ذوي الأرواح النقيّة؛ أولئك الذين يوزّعون الطمأنينة على الجميع، ثم يعودون آخر الليل فارغين ككفّ نبي.

الشاعرُ لا يصف العالم… بل يُذيبه

في هذه القصيدة تختفي الحدود بين الإنسان والأشياء.

فالزجاج يشتاق:

“شغف الزجاج إلى مسيس أيادي”

والأسياف تتململ، والأصفاد تجرح الحلم، والكلمة تخطب الشاعر.

كل شيء هنا يمتلك جهازًا عصبيًا خفيًا.

وهذا ليس خيالًا شعريًا عابرًا، بل رؤية وجودية ترى الكون كائنًا واحدًا، يتبادل الإحساس بصمت.

ولهذا تبدو القصيدة أقرب إلى التصوف الحديث؛ لا ذلك التصوف الذي يهرب من العالم، بل الذي يرى الروح ساريةً حتى داخل الجمادات.

النصُّ ضدُّ الضجيج

في زمنٍ صار فيه الصوت الأعلى هو الأكثر حضورًا، يكتب محمود يوسف قصيدته ضد “الطنين”.

لاحظوا هذا الاكتشاف المرعب:

“صِفرًا يدور بخانة الآحاد”

يا لهذه القسوة الذكية.

إنه لا يهجو شخصًا، بل يشرح عصرًا كاملًا: عصر الأرقام المنتفخة، والقيم الفارغة، والضجيج الذي يتوهّم أنه معنى.

حتى الهيبة نفسها تصبح صناعة جماعية:

“قَزَمًا تعَملِقه الظنون مهابةً”

وكأن الناس لم يعودوا يرون الحقيقة، بل صورة الحقيقة.

هنا يدخل النص منطقة نقد حضاري شديدة الوعي؛ منطقة تكشف كيف تتحول الهالات الاجتماعية إلى بديلٍ عن الجوهر.

اللغةُ لا تُستخدم… بل تُكتشف

في كثير من القصائد نشعر أن الشاعر يسيطر على اللغة.

أما هنا فثمة إحساس معاكس: كأن اللغة هي التي تقود الشاعر إلى مناطق لم يكن يعرفها.

خصوصًا في قوله:

“فالكلمة العذراء تخطب منطقي”

إنها جملة لا تُكتب بعقلٍ بلحظةٍ واحدة، بل بتاريخٍ كامل من الصراع مع اللغة.

الكلمة “العذراء” هنا ليست بريئة فقط، بل نجت من الابتذال.

نجت من أفواه الاستهلاك.

كأن الشاعر يبحث عن مفردة لم يلمسها السوق بعد.

القصيدةُ تتذكّر الإنسان قبل أن يتوحّش العالم

التحول الأخطر يحدث في المقاطع الأخيرة.

فبعد كل هذا التأمل الفلسفي، يهبط النص فجأة إلى الأرض:

خبز،

أطفال،

مدافئ،

مخيمات،

برد،

وسولار.

لكن المفاجأة أن القصيدة لا تسقط شعريًا حين تقترب من الواقع، بل ترتفع أكثر.

حين يقول:

“سَأَبِيع خبزًا للطريق على المدى

كي يطعم الأطفال قبل تنادي”

فهو لا يتحدث كشاعر، بل كضمير.

وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين القصيدة التي تُعجبنا، والقصيدة التي تبقى.

النص الحقيقي لا يكتفي بالتأمل في الجرح، بل يشعر بمسؤولية تجاهه.

حتى الغربُ في القصيدة لا يأتي كعدو… بل كابتسامة

من أذكى ما كتبه الشاعر:

“والغرب يتقن فوق دربي خطوه

ويريق بسمته على السجاد”

يا لهذا التصوير.

الغزو هنا لا يحمل دبابة، بل ابتسامة.

والسجاد ليس مجرد قطعة قماش، بل رمز البيت والروح والطمأنينة الشرقية.

إن الشاعر يلتقط أخطر ما في الهيمنة الحديثة: أنها تدخل ناعمة، مهذبة، ومعطرة… ثم تعيد تشكيل الذائقة من الداخل.

موسيقى القصيدة ليست وزنًا… بل تنفّسًا

هذه القصيدة لا تُسمَع بالأذن فقط، بل بالجسد.

السينات والشينات تسيل كالماء، ثم فجأة تأتي القافات والضادات كاصطدام حجرٍ بروح.

حتى الإيقاع هنا ليس خلفية، بل جزء من المعنى.

كأن القصيدة تمتلك جهازها التنفسي الخاص.

محمود يوسف… شاعرٌ يكتب من منطقة الخطر

ما يفعله محمود يوسف في “كالماء أزهر” ليس استعراضًا لغويًا، بل مغامرة روحية وفكرية.

إنه يكتب من منطقة خطرة:

بين الحكمة والانكسار،

بين الصوفية والواقع،

بين الحلم والخذلان،

بين اللغة حين تُنقذ… واللغة حين تعجز.

ولهذا لا تبدو القصيدة كأنها نص مكتوب، بل كأنها شيءٌ نجا من الاحتراق بصعوبة.

أخيرًا: لماذا بقيت القصيدة حيّة بعد انتهائها؟

لأنها لم تُغلق بابها الأخير.

انتهت، نعم… لكنها تركت داخل القارئ ذلك الإحساس الغريب: أن الماء يمكن فعلًا أن يُزهر، إذا مرّ طويلًا بقلبٍ يعرف كيف يتألّم دون أن يفقد نقاءه.



إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022