جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

تقى الباسوسى تكتب: الإتاوة فى ثوب العجار

 الإتاوة فى ثوب العجار


بقلم / تقى الباسوسى




في ظل إنتشار فرض الإتاوة، بقى الخوف له سعر، والطريق إللى كان مفتوح ببلاش بقى له "رسوم" بتدفعها وأنت ساكت.  

مش بتدفعها للدولة، ولا مقابل خدمة، ولا حتى بإيصال. بتدفعها علشان راجل واقف في نص السكة قرر إنك مش هتعدي غير لما تدفع.


والأغرب؟ إنه مش بيسميها إتاوة.  

بيقولك بابتسامة باردة: "أدفع العجار يا بيه".


كلمة واحدة غيرت كل حاجة.  

كلمة "العجار" إللى كان معناها زمان أجر الراجل إللى أشتغل وتعب، اتسرقت وبقت ستارة بيتدارى وراها الغصب.


الحكاية كلها في كلمتين: الإتاوة والعجار. كلمتين شبه بعض في الشكل، بعاد جداً في المعنى، ومع الوقت العرب خلطوا بينهم لحد ما بقى إللى بياخد إتاوة يقولك بمنتهى البساطة: "ده عجار".  


خلينا نفتح الموضوع ونفهمه من الأول.


*الإتاوة: لما الفلوس تبقى ثمن الخوف*  

كلمة "إتاوة" في المعجم العربي معناها صريح وواضح: الجزية، الضريبة إللى بتتاخد كرهاً، المال إللى بيتاخد منك وأنت مش راضي.  

أصلها من "أتى" يعني جاء، كأن المال ده بيجي غصب عنك.


تاريخياً، الإتاوة كانت أداة سلطة.  

القبيلة القوية تفرض إتاوة على القوافل إللى تعدي من أرضها.  

الوالي الظالم يفرض إتاوة على التجار في السوق.  

الموظف المرتشي يسميها "إتاوة" علشان يعديلك ورقك.


المشترك هنا حاجة واحدة: مفيش تراضي.  

أنت بتدفع علشان تعدي، علشان تخلص، علشان متتأذيش.  

مفيش خدمة حقيقية، مفيش عقد، مفيش وصل.  

الإتاوة هي تمن الخوف، أو تمن إنك تفضل ماشي في حالك.


علشان كده علماء المالية بيسموها "الضريبة القسرية".  

هي مش ضريبة رسمية بتروح للخزنة، ولا رسم مقابل خدمة واضحة.  

هي فلوس بتتاخد عشان إللى بياخدها أقوى منك.


*العجار: أجر الغلبان إللى بيتعب*  

على الناحية التانية، "العجار" كلمة بدوية أصيلة.  

العجار هو الحبل الصغير إللى بيتحط في خشم الناقة أو الجمل علشان يتقاد.  

ومنه جت الكلمة بمعنى الأجر البسيط إللى بياخده الراجل مقابل شغله اليدوي.


واحد يشيلك شوال، يشدلك عربية غرزت، يفتحلك طريق في الرمل.  

تقوله "خد عجارك"، يعني خد أجرك إللى تستحقه.  

هنا في تراضي، في خدمة اتعملت، في تعب اتبذل.


العجار عمره ما كان غصب.  

هو إتفاق : "أنا تعبت، أنت استفدت، خد حقك وأمشي".  

علشان كده الكلمة كانت خفيفة على اللسان، ليها ريحة الرضا والجدعنة.


*فين حصل الخلط؟ وليه بقينا نقول على الإتاوة "عجار"؟*  

الخلط حصل في اللحظة إللى البلطجي قرر يلبس بدلة.  

لما الشخص إللى واقف ياخد فلوس غصب حس إن كلمة "إتاوة" مكشوفة وقبيحة، دور على كلمة أخف، ألطف

لقى "العجار".  

كلمة ليها أصل، ليها احترام، بتتقال وأنت مبتسم.  

يقولك "ده عجار الطريق"، "ده عجار المعدية"، "ده عجار المرور".  

كأنك بتدفع أجر راجل تعبان، مش بتدفع علشان راجل بيهددك.


ده اسمه تجميل لفظي.  

نفس فكرة ان الناس تقول "إكرامية" على الرشوة، أو "هدية" على الفلوس إللى بتتاخد علشان تمشي مصلحتك.  

الكلمة بتتغير، بس الفعل زي ما هو.


النتيجة؟ جيل بحاله اتربى على ان "العجار" حاجة عادية.  

بقى شايف ان الدفع غصب عنك ده جزء من نظام الحياة، ومش حاسس ان فيه مشكلة أخلاقية.


*ليه الفرق ده مهم؟*  

الفرق مش لعبة لغوية. الفرق بيحدد علاقتك باللى قدامك:


- لو دفعت إتاوة: أنت في علاقة قوة. أنت الضعيف، وهو القوي. كل مرة هتدفع، هيطلب أكتر. لان مفيش قانون بيحكم العلاقة، غير المزاج.

- لو دفعت عجار: أنت في علاقة تبادل. أنت أخدت خدمة، وهو أخد أجره. العلاقة بتخلص وبتتنسي.


لما نسمي الإتاوة "عجار"، احنا بنشيل من عليها وصمة العار.  

بنقول لنفسنا "عادي، ده نظام".  

وبكده بنقبل ان الخوف يبقى طريقة تعامل عادية بين الناس.


*طب نعمل ايه؟*  

مفيش حل سحري، بس أول خطوة إنك تسمي الحاجة باسمها.  

لو حد وقفك وقال "أدفع العجار" وأنت عارف انه معملش أى خدمة، قل في نفسك: "دي إتاوة".  

مجرد التسمية الصح بتديك وعي، وبتخليك متتعاملش مع الموقف على إنه عادي.


المجتمعات إللى قدرت تقلل الإتاوة، عملت ده لما القانون بقى أقوى من الشخص، ولما الناس رفضت تسكت وتقول "خلاص أدفع وعدي".


*الخلاصة*  

الإتاوة هي تمن الخوف.  

العجار هو تمن التعب.  

ولما تتلخبط الكلمتين، إحنا بنسمح للخوف إنه يلبس لبس التعب، ويبقى مقبول.


فالمرة الجاية لما حد يقولك "أدفع العجار"، وقف ثانية وأسأل نفسك:  

أنا بدفع مقابل إيه بالظبط؟ خدمة اتعملت، ولا خوف عدى؟

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022