*مزرعة مستحيلة* قصة/السيد أحمد حمزة
*مزرعة مستحيلة*
قصة/السيد أحمد حمزة
اليوم قائظ ، السماء مفتوحة على الأرض ، كفوّهة بركان ، يبخ حمم الصهد ، التى يحملها سيل الهجير ، المنحدر من شلال الشمس ، فتشتعل النار فى مجمرة الجو ، الريح تحمل حبّات الرمال فى دوّمات ملتهبة ، تشْوى مَنْ يقع فى محيطها ، النباتات المتناثرة فى أرجاء المكان ، تبكى ذبولاً فى أطرافها ، من لطمات تلك الرمال الساخنة كجمر متّقد ، وخوفاً ورعْباً من الجفاف والتيبّس . تتراقص حبّات المال مزهوةً ، بسهامها التى تخترق الأجساد ، وسيقان النباتات على نغمات الريح .. التى تصفر ، وعواء ذلك الكلب الجاثى أمام جدتى ، التى تجلس أمام الباب الكبير للمزرعة منكسرة حزينة ، مصلوبة تحت الشمس ، فى هذه النار ، تكلّم نفسها تارةً ، وأخرى تحادث ذلك الكلب ، تسبّه وتلعنه ، وتقذفه بالطوب ، فيزداد عواؤه ، تلطم وجهها ، وتهب خلفه مهرولةً مهزوزةً قائلةً :
_ ملعون لست بصديق ، ابن ذئب ما وراءك غير الخراب .
يهادن ابن الذئب جدتى ، ويكفّ عن العواء ، فتعود البضع خطوات ، التى هرولتها خلفه ، وتجلس ثانية بجوار الباب الكبير ، يدثّرها الحزن ، تضرب عيناها فى الطريق المؤدية إلى جلستها ، وتدعو لى بالسلامة ، وتدعو عليهم بالندامة أبى وأعمامى .
لقد قطعت شوطاً طويلاً ، أسير بين السهل والدغل والوعر ، فى هذه الطريق المؤدية إليها جدّتى .
اجتزت بعض العلامات ، التى أشارت إليها فى رسالتها الموجزة لى ، وأنا هنا فى غربتى .
" أنت .. يا اسم جدك ، وابن جدّتك .. يا عم خالك ؛ وخال عمّك ، لم يعد سِواى أنا .. وأنت ، أيها الحفيد ، والنخلة الوحيدة الباقية فى المزرعة ، وبكر جدّك الرابض أسفلها ، وبعض البهائم الشاردة ، التى لم أقوى عليها ، فتركتها الآن ، وجلست أمام الباب الكبير ، أهش ذلك الكلب الذى يعوى ، لم يكن أبداً بصديق ، لأنه ليس من سلالة الكلاب صرف ، كلب بن كلب ، إنه ابن ذئب ، تعالى يا ولد!!! فى انتظارك حتى أموت "
كانت العلامة الأولى .. فى السهل الذى كثيراً ما تريّضنا ، ولعبنا فيه أثناء رحلاتنا وسفرنا ، أيّام كنا عُصْبة . كوْمة من الجماجم تُشكّل رجلاً يمتطى جملاً ، وبقايا عظام تُشكّل قطيعاً يتبعه ، مكبّلة من رقابها بسلاسل من معدن أصيل ، يلمع من بعيد ، كنت أتابع لمعانها ، وأنا أمضى بعد ما قرأت الفاتحة ، أمام كومة الجماجم ، وقطيع العظام ، تجاوزت السهل ، وتابعت السير فى درب ضيّق ، تحفّه التلال الصخرية من الجانبين ، المليئة بمساكن الأفاعى ، التى لوّحت إحداها لى بذيلها ، وهى تختفى داخل جحرها ، أسرعت قليلا ، حتى لا أقع فى شراكهم الأفاعى .
كنت قد حملت معى بعض الدجاج البيّاض ، وبعضاً من الجير الحى ،
واصطحبت شاة وعنزتين ، ليكونوا فداء لى فى الطريق ، أحتال بهم حيال أى خطر يداهمنى . حذراً كنت أسير فى درب الأفاعى ، أتدبّر أمرى جيداً
، وقعت عيناى على العلامة الثانية , التى سأغيّر طريقى عندها ، كان سيفاً ودبّابة !! السيف مغروس فى الأرض يضوى ، تفر من أسفل القبعة التى فوق مقبضه نجوماً ، وبعض البلحات اليابسة . التمر طعام طيّب ، تناولت تمرة أكلتها ، واحتفظت بنواتها، بينما كنت أنظر إلى الدبابة المشرعة ماسورة مدفعها ، وأتأمل تلك العمامة الملفوفة على فوّهتها ، والمريرة العربية التى تحكم عقالها ، والمطرّزة بالنفيس من اللآلىء . تذكّرت عمى الشارد ، الذى استبدل يوما العمامة بالقبّعة ، التى دسّ فيها رأسه ، فأكلت شعره .. أصابه الصلع , فندم وخلعها . قالوا له :
_ لاتندم دع صلعتك ، دون عمامة أو قبّعة .. فذلك الصلع من علامات الذكاء . أضحك الناس عليه .
غيّرت مسارى بعدما اجتزت العلامة الثانية ، وفقدت دجاجى البياض كله ، وكمّية الجير الحى ، فى درب الأفاعى ، والبيض الذى كان معى حصاد أيام رحلتى التى لم تكتمل ، بعد قضائى الليل هناك ، بجوار السيف أسفل القبعة . كان الدرب الجديد سهلا بعض الشىء ، ممهداً فى مناطق كثيرة منه ، أدركت أننى اقتربت من المزرعة ، ومن جدّتى التى تنتظرنى منكسرة حزينة منذ أمد . تأكدت أننى اقتربت جداً ، عندما لمحت أشلاء وحوافر
بعض الشياة والحمير ، وذيول بعض العنزات .
لاحت المزرعة من بعيد ، الشمس ترسل ضرباتها بعنف فوق رأسى ،
ودوّامات الرمال تلتهمنى .. تشوينى .. تركتنى مخنوقاً ، لا أقوى على الدفاع ، عن الشاة التى بصحبتى والعنزتين، أو حتى عن نفسى ، فالتهمتهم الذئاب ، التى تسكن المناطق المتاخمة للمزرعة ، لاصطياد الشارد منها .
كان الكلب راقداً ، يمد رقبته ويثبّت رأسه فوق إحدى رجليه الأماميتين؛
وجدّتى جالسة كما هى منكسرة حزينة ، واضعة رأسها بين ركبتيها ، ومطوّقة قصبتيها بيديها .
لم تحس بقدومى ، ولا باقترابى منها إلّا بعد أن هبّ الكلب الراقد ، انقضّ يعوى ، استشعرت فى عوائه الغيظ والحقد ، كاد أن يعقرنى من رقبتى ، بعد أن شبّ بساعديه على كتفىّ ، لولا أن جدّتى قذفته بحجر ، وهرولت خلفه قائلة :
_ ملعون ليس بصديق ، ابن ذئب ما وراءه غير الخراب .
والتفتت مهرولةً نحوى مسرعة ، واحتضنتنى .. قبّلتنى فى رأسى وجبينى ، وانحنت على يدى تقبّلها ، سحبت يدى مسرعا ، قبّلتها وسألتها عن حالها
، قالت وهى تنظر إلىّ نظرة أخجلتنى ، وندت عنها تنهيدة عميقة أحرقتنى:
_ شين ؛ ولكنه سيصبح إن شاء الله زين .
قلت آسفاً :
_ وما حال بهائمك ؟
نظرت إلى الباب الكبير ، وأمسكت يدى ، والتفتت إلى الكلب ، وقالت :
_ عنيدة .
دفعتنى نحو الباب زاجرةً ، كادت أن تقع ، فتشبست بذراعى ، وأكملت :
_ ادخل .. امتطِ بعير جدّك ذلك البكر العجوز الرابض أسفل النخلة ،
اجمع بهائمى ، أنت كما ترى المزرعة واسعة مترامية الأطراف ، وبها خيرات كثيرة ، أتلفتها البهائم وضيّعتها .
كنا قد وصلنا النخلة ، اجلستنى جدّتى ، وأوقدت النار ، وسوّت لى " لبّة "
أكلتها ساخنة ، وناولتنى الشاى الذى أعدّته لى ، وقالت :
_ اهبط أماكن الماء ، فستجد الشوارد هناك ، يرتعون ويلعبون .
أشارت إلى أبريق الشاى ، أبريق جدّى العتيق ، وحثّتنى على النهوض ، حتى لا يفوت الوقت ، ولا أتمكن من صنع أى شىء ، نهضت وحللت البعير وجهّزته ، وحملت ما يلزمنى طوال تلك الرحلة الشاقة .
صافحت جدّتى ، وقبّلتها، قالت قبل أن أمتطى البعير :
_ من يقابلك بعيداً عن موارد الماء مغلوباً على أمره ، لم يضحك عليه بعد ، حفيدى عليك بالشوارد .
أمتطيت البكر ، شددت مقوده ، لكزته بكعب رجلى فى جنبه ، انتفض واقفا ، قلت لجدّتى والبعير يستدير :
_ لا تخشِ شيئاً ، سوف أعود سالماً غانماً ، إنها مزرعتنا وبهائمنا ، وأكيد إن هؤلاء الذين يقطنون أطرافها سيقدّرون ذلك ، قالت جدّتى والبعير يشق طريقه إلى قلب المزرعة :
_ كن حذراً مع هؤلاء الغرباء ، فربّما كانوا طامعين فى بهائمنا ، واعلم أن الناس هم الناس فى مزرعتنا أو خارجها ، إما يضحكون عليك ؛ أو يبغضونك ، ويحقدون عليك ؛ يضحكون عليك أن كنت لهم ؛ ويحقدون عليك أن بحثت فى مزرعتك ؛ وكنت لبهائمك .
كان البعير قد ابتعد بعض الشىء ، بينما كنت أقول زاعقاً :
_ والحب يا جدّتى ؟؟!!
نظرت وأسندت ظهرها على النخلة , وقالت آملةً :
تجده عند البهائم التى ستجمعهم ، وتعود إلىّ بهم قبل قيامتى .
انحدر البعير هابطاً ، كنت ألوّح لجدّتى ، التى جلست أسفل النخلة ، واضعة رأسها بين ركبتيها منكسرة ، توارت النخلة واختفت ، بعدما هبطت وادى الخير ، توغّلت فيه ، قابلت بعض الرعاة ، الذين يركبون السيّارات الفارهة ، يديرون بها جمالهم ونوقهم ، وقطعان أغنامهم ، وجحافل مواعزهم ، كانوا ينظرون إلىّ بازدراء ؛ كلما عبرت من أمام أحدهم ، وأشرت له محيّياً من فوق بعير جدّى ؛ لا يردّ تحيّتى ، ويرفع قصبته من الخلف ضارباً بكعب قدمه إليته . تذكّرته سليمان ذلك الصبى البدوى ،عندما سألته يوما ،وكان تلميذاً نجيباً :
_ ويش بدك تصير إمّا بتكبر ؟
قال فى حزم :
_ ودّى أصير راعى بعران .
أصابتنى الهزيمة ، وجثم فوق صدرى جبل من حزن ، عندما سمعت منه هذا القول ، وأردفت قائلاً له فى مرارة :
_ لماذا لاتكون معلماً .. تعلّم أقاربك ، أو طبيباً تعالجهم ، أو مهندساً تبنى لهم بيوتاً بدلاً من هذه الأكواخ الحطبية ؟!!
أردف يقول والدهشة تفرّمن عينيه ، وابتسامة صغيرة ارتسمت بين شفتيه:
_ الحكومة ما بتعطيكم دراهم ، إما أكبر وأصير مكين بأرع البعران ، واشترى " تويوتا " .
لمحت أثر بعض بهائمنا .. فتبعته ، هبطت أكثر من مورد للمياة ، كنت أسقى بكر جدّى ، وأشرب وأملأ زمازمى ، وأتابع المسير خلف الجرّة
بعد المبيت أحياناً ، حتى أدركت الأثر الأخضر، علمت أننى اقتربت من بعض بهائمنا ، كانت أمامى ربوة يتبعها تل عال نسبياً . فى الوادى وجدت بهائمنا ، كثيرة كانت ، ترتع وتلعب وترعى ، وتشرب من ماء السيل الفائت ، نزلت عن بكر جدّى ، ورحت أتفقد حلالنا الشارد ، وجاهدت كثيراً فى الوصول ، إلى بكر أبى أو عمّى أو خالى ، حتى أتمكّن من قيادة القطيع التائه ، والعودة به إلى جدّتى . محملقاً كنت أسير ، أنظر إلى رءوس البعران ومؤخّراتهم ، حيث العلامات التى تفرّق بين بعير أبى عن بعير عمّى .. أو خالى .
اصطدمت بشىء لم أعره انتباهاً ، تابعت السير ، فقال بلهجة الغاضب الحانق ، بعدما قفز فى الهواء قفزتين متتاليتين ، ورمقنى كليّة ثم نظر إلى رأسى ومؤخرتى :
_ ما تفتّح يا تور ؟!!
نظرت خلفى ، وقلت بلهجة جافة مهددة :
_ تأدب أيها الجحش !!
ضحك وقال متهكماً :
_ أنا أعرف حدود أدبى جيداً أيها الثور .
نظرت إليه وقد استبد بى الغيظ واشتد ، خطوت نحوه خطوتين ، ولطمّته لطمة قوية على رأسه ، والتفتّ أبحث عن ضالتى، بينما كان يقول :
_ أنسيت أيام كنت كبشاً .. فى قطيع عمّك ، ترعى بيننا ، وتتناطح مع إخوانك من أجل أنثى ، وأيام كنت تيساً شارداً فى الشوارع هارباً ، من قطيعك ، تلتهم كل شىء ، الورق والبالى من الإناث والخرق ، سنيناً طويلة قضيتها؛ بين القمامة كخنزير قذر، وأيام كنت ثوراً للأباعد يطعمونك ويسقونك ، ثم يسحبونك إلى الطلوقة تدكّر الأبقار الشابقة .
أسرعت خطواتى ، حتى لا أسمع هراء ذلك اللّئيم ، الذى توقف بعدما كان يتبعنى . كانت البهائم قد تجمّعت حول بكر جدّى ، ووجدتهم يتبعونه ، ويقفزون .. ويبرطعون حواليه ، سعدت بذلك كثيراً ، وأقسمت أن أعود إلى جدّتى ماشياً .. حافى القدمين ، وفى يدى مقود البكر ، وخلفه القطيع التائب، طالما أن الله قد وفّقنى فى جمعه بهذه السرعة .
عدت آيباً ، واجتزت التل والربوة ، خرجت من وادى الخير ، الذى ظهرت فيه جرذان كثيرة حاقدة ، وكلاب ضالة .. غير التى يصحبها البدو فى رحلات الصيد .
لاحت النخلة من بعيد ، تلوّح بسعفها وتقترب ، وجدّتى جالسة كما هى منكفئة الوجه ، توقفت والتفتّ ، أستطلع البهائم ، وأتابع المتأخر منها ، حتى ينضم إلى القطيع ، فاجأنى كبش ، نطحنى فى رجلى ، كان غبيّاً فقد
آلمتنى ساقى ، وقفز تيس فوق ظهرى ، وأنا أنحنى بصعوبة أحك مكان رأس الكبش ، هاجت الجمال والنوق ، وتفرّقت الأغنام والمواعز ، وبكر جدّى ثابت جامد لا يتحرك ، حزيناً كان .
وجدت نفسى أنطح بغيظ ، ما أدركه من الكباش والتيوس ، وأطارد الجمال والنوق ، التى تفرّقت أيضا .
نظرت إلى جدّتى ، التى إشرأب عنقها ، تتابع ما يحدث ، لم تتحرّك من
جلستها ، ولم تنبس ... , رأيت دموعها منهمرة مقهورة
، تسيل فوق خدّيها
، نظرت إلىّ نظرة أخجلتنى ، وأنا أنطح بكر جدّى .
هدأت قليلاً ، وتوقفت عن النطح والرفس ، وتحسّستُ مقدمة رأسى ، فإذا بى أجد قرنين مشرعين ، فى الهواء معقوفين إلى الأمام .
أسرعت .. وتحسّستُ مؤخّرتى ، كان ذيلى طويلاً ؛ يكاد يلامس الأرض ملوثاّ بالروث .
انطلقت أجرى ، خلف البهائم التى تفرّقت جميعها ، وشردت مرة أخرى ،
اصطدمت بشىء ما نظرت إليه ؛ كان الجحش اللّئيم ، الذى قال ضاحكاً:
_ ما .. تفتّح يا تور .
نظرت إليه ، وضربت بذيلى فى الهواء قافزاً بالخلفيتين ؛ وانطلقت مسرعاً أهرول ، لا ألوى على شىء ، ولا أدرى إلى أين ؟!! بينما كان خوارى يهزأ بالرءوس المجردات ، والملفوفة بالعمامات ، ويحتفى بالقبعات والأسلاك الشائكة .
تمّت
