د. سحر الحسيني تكتب: ولاء جمال... شاهدة على وجوه لا تراها الكاميرات.
ولاء جمال... شاهدة على وجوه لا تراها الكاميرات.
رؤية مغايرة ..
د. سحر الحسيني
لا أؤمن بالصدف عادة..
![]() |
| د. سحر الحسيني |
![]() |
| ولاء جمال |
أؤمن أن الله يهيئ لبعض البشر رسائلهم قبل أن يهيئ لهم الطرق المؤدية إليها.
ومن يتأمل رحلة صديقتي الأثيرة، الصحفية والكاتبة ولاء جمال، يدرك أنها لم تدخل عالم الصحافة لتضيف اسمًا إلى قائمة الصحفيين، هى دخلته لتؤدي رسالة اختارتها لها الأقدار
أن تنحاز الكلمة إلى الإنسان
وسط صحفيين يطاردون الخبر، وآخرين يطاردون الحقيقة.
كانت تكتب ولاء جمال خارج السرب فقد بدا لي أنها كانت تطارد الإنسان
الكثير منا يرى المشاهير من خلف الشاشات، أو يقرأ أسماءهم في عناوين الصحف وهناك من يكتفي بما تمنحه الأضواء من صورة براقة.
أما ولاء جمال، فقد اقتربت من المسافة التي يتوارى فيها الضوء، وتتكلم الأرواح.
احتكت بمن ظن الناس أنهم يعرفونهم، فاكتشفت أن الشهرة لا تُعرِّف الإنسان، بل كثيرًا ما تخفيه.
ربما ساقها الله إلى هذه المهنة لتكشف الوجه الآخر، ذلك الوجه الذي لا تلتقطه عدسات الكاميرات، ولا تنقله عناوين الصحف، ولا يراه الجمهور وهو يصفق لنجومه.
فقد اقتربت ممن اعتدنا أن نراهم من وراء الشاشات أو عبر الكلمات المطبوعة، لكنها لم تنشغل ببريقهم بقدر ما انشغلت بما يختبئ خلفه.
الوجه الذي لا يظهر إلا لمن يجيد الإصغاء، ويؤمن أن لكل إنسان حكاية تستحق أن تُروى بإنصاف.
في زمنٍ صار فيه الابتذال طريقًا مختصرًا إلى الشهرة واختلط فيه الخبر بالفضيحة والحقيقة بالإثارة
اختارت ولاء جمال الطريق الأصعب.
لم تجعل من أسرار الناس مادةً للانتشار، ولم تستثمر في الفضول، ولم يغرها اللهاث خلف "الترند". كانت تدرك أن الكلمة التي لا ترفع وعيًا، تُسقط صاحبها، وأن الصحافة التي تعيش على الإثارة تموت بانتهاء الضجيج، أما الصحافة التي تحفظ ذاكرة الناس فتبقى.
لهذا ظل مشوارها طويلًا نظيفًا، عصيًا على الابتذال.
كانت تكتب ما ينفع، لا ما يلفت. تبحث عما يبقى، لا عما يستهلكه يومٌ واحد.
تؤمن أن القارئ يستحق احترام عقله، وأن التاريخ لا يتذكر إلا من أخلص للكلمة.
ولعل هذا ما يفسر تجربتها مع كتاب «سعاد حسني بخط يدها». لم يكن الكتاب محاولة لاستعادة سيرة فنانة أحبها الملايين فحسب، كان رحلة بحث عن الحقيقة بين الرسائل والوثائق، ومحاولة لرد الاعتبار إلى إنسانة أثقلت الشائعات صورتها. لم تكتب عن الأسطورة، كتبت عن المرأة التي عاشت خلف الأسطورة، وكأنها كانت تقول إن الحقيقة أكثر جمالًا من كل ما يختلقه الخيال.
ثم جاء «مبدعون على جناح الإنسانية» ليؤكد الفلسفة نفسها؛ فالمبدع عندها لا يُقاس بحجم شهرته، وإنما بقدر ما بقي فيه من إنسان. كانت تبحث دائمًا عن القلب الذي اختبأ خلف المنجز، وعن الوجع الذي صنع الإبداع، وعن الرحمة التي لم تطفئها الأضواء.
وأنا الآن لا أكتب هذا انطلاقًا من إعجاب بنتاجها وحده،
اكتب لأنني كنت شاهدة على مواقف كثيرة أكدت لي أن ولاء جمال لا تكتب بأصابعها فقط، بل بضميرها.
أذكر منها موقفًا لن يغادر ذاكرتي ما حييت.
اتصل بها ذات يوم ملحن كبير وأفضى إليها بأحاديث وأسرار لو خرجت إلى العلن لصنعت ضجيجًا هائلًا، بل طلب منها بنفسه أن تنشرها.
لكن الأقدار كان لها موعد آخر، فما هي إلا ساعات قليلة حتى رحل عن الدنيا.
كان يمكنها أن تحوّل تلك الكلمات إلى صفقة صحفية مدوية، وأن تتصدر العناوين، وأن تفتح أبوابًا مغلقة على أحياء لم يعد صاحب الحكاية بينهم ليوضح أو يفسر.
كان يمكنها أن تربح انتشارًا واسعًا بثمنٍ لا يدفعه إلا ضمير الصحفي.
لكنها اختارت الصمت.
اختارت أن تكون أمينة على ثقة إنسان، لا تاجرة في أسراره.
رأت أن الموت لا يمنح أحدًا حق هتك الأستار، وأن السبْق الصحفي لا يعلو على شرف المهنة، وأن احترام الإنسان لا ينتهي بانتهاء حياته.
في تلك اللحظة فهمت سر هذا الاحترام الذي تحظى به. علمتنا ولاء جمال أن الصحافة ليست أن تعرف كل شيء وتنقله، انما أن تعرف ما الذي يجب ألا يُقال. وأن القلم لا تُقاس قيمته بما يكشفه من أسرار، بل بما يصونه من كرامة البشر.
لا أرى ولاء جمال مجرد صحفية ناجحة، ولا مجرد كاتبة موهوبة، دوما أراها حارسة لذاكرة جميلة، وشاهدة على الإنسان في زمن انشغل كثيرون فيه بالصورة. وحين أقرأ لها، لا أشعر أنني أتابع أخبار المشاهير، أنا ألتقي بالإنسان الذي كان يختبئ خلف الأضواء، حتى جاءت هي، وأزاحت عنه وهج الشهرة، ليبقى الوجه الحقيقي وحده هو الذي يتكلم.
هذه هي ولاء جمال التي أعرفها. امرأة آمنت بأن الإنسان أكبر من صورته، وأعمق من شهرته، وأن وظيفة الكلمة ليست أن تُدين، ولا أن تُصفق، وإنما أن تُنصف.
ولعل أجمل ما في رحلتها أنها أثبتت أن النجاح لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الاحترام لا يُشترى بالانتشار، وأن الصحفي الحقيقي ليس من يعرف أخبار الناس ويسعي بها نحو سلم الشهرة ، بل من يعرف كيف يحفظ كرامتهم وهم يروون له حكاياتهم.
لهذا أقول بثقة لم تكن ولاء جمال شاهدة على النجوم... كانت شاهدة على الإنسان. وذلك هو الفارق بين من يكتب الخبر، ومن يكتب ما يستحق أن يبقى.

