جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

تبون يزيد الراتب ... والأسعار تردّ!

 

بقلم الكاتب:- أعراب خالد - الجزائر

في الجزائر، قد يسبّ المواطن بلده حين تضيق به الحياة، لكنه لا يقبل أن يمسّه أحد بسوء، فهو غاضب من واقعه، لا من وطنه، وينتظر من المسؤولين أن يمنحوه سببا جديدا للفخر بدل أن يتركوه وحيدا في مواجهة الغلاء.

الشعب البسيط أنهكته الحياة، وأثقلت كاهله المصاريف، حتى أصبح يشتكي من بلده ويسب المسؤولين حين تضيق به الظروف. لكنه، حين يسمع غريبا ينتقص من بلده أو يسيء إليها، قد تجده أول المدافعين عنها. وهذا ليس تناقضا بالضرورة، بل هو الفرق بين مواطن يوجعه واقع بلده لأنه يعيش فيه ويحلم بأن يكون أفضل، وبين من يسيء إليه من الخارج. فالشعب قد يغضب من مسؤول، وينتقد قرارا، ويشتكي من الغلاء، لكنه لا يريد أن يرى بلده موضع سخرية أو انتقاص. إنه لا يكره بلده، بل يتألم لأنه يريد أن يعيش فيه بكرامة، وأن يرى تعبه يؤتي ثماره.

عندما يسمع الموظف أن راتبه سيرتفع، يستقبل الخبر بشيء من الارتياح، ويبدأ في حساب ما يمكن أن يفعله بهذا المبلغ الإضافي. ربما يسدد دينا، أو يشتري شيئا يحتاجه أبناؤه، أو يتخلص من بعض المصاريف التي ظل يؤجلها بسبب ضيق الحال. لكن الفرحة لا تدوم طويلا حين يذهب إلى السوق ويكتشف أن الأسعار لا تنتظر أحدا.

يدرك الشعب أن تسيير بلد بحجم الجزائر ليس أمرا سهلا، وأن هناك ملفات كثيرة تحتاج إلى وقت وجهد. كما أن تحسين الأجور خطوة مهمة بالنسبة إلى الموظفين الذين ينتظرون منذ سنوات تحسنا في دخلهم. لكن هناك أمرا آخر يستحق الاهتمام، وهو أن يشعر المواطن بالأثر الحقيقي لهذه الزيادات، وألا يجد نفسه أمام أسعار ترتفع كلما تحسن راتبه.

والجزائر، في ظل ما يحيط بها من تحديات إقليمية ودولية، تحتاج إلى تماسك شعبها وقوة جبهتها الداخلية. فالتوتر مع المغرب، والمخاوف من الأطماع الإسرائيلية، والتاريخ المعقد للعلاقات مع فرنسا، كلها ملفات تثير انشغالات لدى قطاعات من الشعب، وتستدعي اليقظة والحكمة وحماية المصالح الوطنية. والشعب الجزائري الذي أثبت عبر تاريخه استعداده للتضحية من أجل وطنه، لا يتردد في الدفاع عن سيادة بلده وكرامته. لكن هذا الشعب نفسه الذي يقف مع وطنه في الأوقات الصعبة، من حقه أيضا أن يعيش بكرامة، وأن يجد في بيته ما يسد حاجاته. فالتماسك الوطني لا يقوم على الشعارات وحدها، بل يقوى حين يشعر المواطن أن انشغالاته المعيشية تجد الاهتمام والحلول.

المشكلة أن الموظف لا يتعامل مع الأرقام كما تظهر في البيانات الرسمية، بل مع ما يعيشه كل يوم. راتبه معروف، ومصاريفه معروفة، وما يحتاجه أبناؤه لا يمكن تأجيله إلى أجل غير محدد. لذلك قد يسمع عن زيادة في الأجر، ثم يكتشف بعد أيام أن ما كان يشتريه بالأمس أصبح يحتاج إلى مبلغ أكبر اليوم.

ولا يتعلق الأمر بلوم التاجر وحده، فهناك أسباب متعددة لارتفاع الأسعار، لكن هذا لا يعفي الجهات المعنية من مسؤوليتها في مراقبة السوق، والتصدي للمضاربة، ومحاسبة من يستغل حاجة الناس. كما أن تشجيع الإنتاج المحلي وتوفير السلع بأسعار معقولة يجب أن يكونا جزءا من أي سياسة تهدف إلى تحسين حياة المواطن.

لكن من المسؤول عن هذه المشكلة؟ وهل تعود أسبابها إلى السياسات الحالية وحدها، أم أن للحكومات السابقة نصيبا فيما وصلنا إليه اليوم؟ قد تختلف الآراء في تفسير الأسباب، وقد يتبادل المسؤولون السابقون والحاليون الاتهامات، لكن الشعب الذي يذهب إلى السوق كل يوم لا يريد الدخول في هذا الجدل بقدر ما يريد أن يرى حلا. لا يهم المواطن من بدأ المشكلة بقدر ما يهمه من يستطيع حلها، ولا ينتظر أن تتحول معاناته إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بل يريد أن يعرف ماذا ستفعل الدولة حتى لا تتحول كل زيادة في الراتب إلى زيادة جديدة في المصاريف.

إن زيادة الأجور قرار مهم، لكن نجاحه لا يظهر في الإعلان عنه وحده، بل في حياة الموظف بعد أشهر من تطبيقه. هل أصبح قادرا على تلبية حاجات أسرته بصورة أفضل؟ هل خف الضغط على ميزانيته؟ أم أن الزيادة ذهبت إلى السوق قبل أن يشعر بها؟

هذه أسئلة لا تحمل اتهاما لأحد، ولا تنتقص من أهمية القرارات المتخذة، لكنها تضع الأمور في مكانها الصحيح. فالمواطن لا ينتظر أن تتحسن حياته بالكلام، بل يريد أن يرى أثرا ملموسا في بيته، وفي فاتورة مشترياته، وفي قدرته على تلبية حاجات أبنائه دون أن يضطر إلى الاستغناء عن شيء في كل مرة.

الرئيس عبد المجيد تبون يزيد الراتب، وهذه خطوة ينتظرها الموظفون، لكن السوق لا ينبغي أن يحوّل فرحتهم إلى خيبة. فالزيادة التي لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية تظل ناقصة الأثر، مهما كان المبلغ المعلن عنه.

فهل تنجح زيادة الأجور في تحسين حياة الموظف، أم أن الأسعار ستظل تسبقه بخطوة؟

التالي
هذا هو أحدث مقال.
السابق
رسالة أقدم

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022