"غريب" قصة قصيرة بقلم/شرين فكري
قصة قصيرة بقلم /شرين فكري
- كانت تصدح أصواتُهم في أذنيه، دقيقة بعد آخرى كانت تعلو بقوةِ لتختلط مع صوتِ الموسيقى الدائرة في الخلفية، أصوات عالية مخيفة حتى كادت تخترق جدارغرفة نومه التي صارت محبسه، منذ أن طالته الشائعات، كونه شخصية عامة ،تتضارب بينه وبين الآخرين المصالح والأهواء .. كان يشعر بالدونية مع هماستهم وضحكاتهم، بعد كشف الستارعن حقيقة غائبة طوال حياته.. أحاديث كثرة تدور بعقله المتعب، وسؤال يعجُ برأسهِ، يرافقه كظلهِ يومًا بعد يوم - بعد وفاة من كان يجالسه طوال عمره ويؤنس وحدته - كلما ازدادت حيرته "من أنا؟ " .
- كانت نظراته زائغة تائهة بين الظلمة والنور،والدموع تتجمع في مقلتيه كأنها حمم بركانية يحاول السيطرة عليها، وهويطالعُ وجهها ويديم النظر في ملامحها الرقيقة التي يهيم بها عشقًا، فلا يعرف كيف يخبرها بحقيقةِ أمره .. ابتسم بخفوت ثم أخذ يهمهمُ بنبرةِ صوتٍ مرتعشة، الألم والغضب كان قد تملك منه،حتى خرجت منه صرخةٌ مبحوحة ،كأنه شخص يحتضر، لعلا يجدُ مَنْ يسمعه ويجيب على دوامة الأسئلة التي تدور في أعماقة، يطرح الأسئلة وهو وحده من يُجيب عليها:" لقد حقًا كل ما يشاع؟، كيف ولدت وحيدًا هكذا ؟، ألم تكنْ لي عائلة تحتويني من الأساس، وخلقت في هذا العالم مثل الفرع الذي لاجذور له؟، ومن ذلك الرجل الذي ظللتُ أناديه بأبي حتى وفاته؟، هل كنتُ أعيش بريقًا لحياة زائفة؟، هل كنتُ أحمق لهذة الدرجة ليعلم الجميع إلا أنا؟، من أنا يا إلهي؟،كيف لم أستوعب ما كان يحدث حولي، بعد موت من كان يحنوعلىَّ لسنوات ؟، ألم أشك يومًا بتلك العيون التي طالما راقبتني ورشقتني بنظراتها الحارقة، وألسنتها اللاذعة أينما ذهبت، حينما كان يحتضر"منْ أنتَ أيها الغريب؟، يا لقيط !، يومًا ما سترجع كما كنت، من الشارع وإلى شارع تعود، شريد ، بلا مأوى يحميك ، تستطيع الهروب إليه في لحظات ضعفك "، وأنتِ حبيبتي هل ستبقين معي بعد الحقيقة التي تملأ الأرجاء، حقيقة تعود صداها لتصدح في أرجاء جسدي حزنًا وخوفًا منكِ وعليكِ، ومعها آهات مكتومة تكاد تقطع نياط قلبي، إني أنظرُ إليكِ في خزيٍ شديد، لأشعر للمرة الأولي بالعار الذي أحمله ولا أدرك ماذا أفعل أوأقول عندما تلتقي عيناي بعينيك؟، كيف سأتجاوز معكِ يا مهجة قلبي،هذا الماضي الذي يكشرعن أنيابه ويقف كحاجز بيننا، يمنعُنا من المضي قدمًا ".
- يفيق من شروده على صورتهما التي تملأ شاشة هاتفه، الذي ظل يحدقُ بها ، منذ أن أغلق هاتفه مع محامي شركاته، وأكد على صحة ما يتم تداوله في مواقعِ التواصل الإجتماعي وصفحات الجرائد .. أخذ يمسحُ ذلك البحر الذي ثار وهاج داخل عيناه، وسط مشاعرالحزن والغضب واليأس .. نعم استطاع لأول مرة بأن يتحدث مع نفسه، يلقي ما في جوفه بعد مرارة فقد واكتشاف حقيقة تلك الحياة "طرق ضبابية موحشة لا نرى لها نهاية"، ولكن يظل يحاصره ويكبله نفس السؤال، هذا التيه في دوامة لا منتهية من جحيم الأفكار، ليهمس بصوتٍ مقهور:" من أنا؟، هل أنا كما يقولون؟، غريب" ! .
#شيري
5يوليو 2023
