ريم ماهر تكتب : الموت على قيد الحياة.
بقلم ريم ماهر
بدايةً....إني لأري بهذه الكلمات صرخة في زمنٍ صامت، فإني ناظرٌ في حالِ القومِ نظرةَ المتأملِ المتوجّع، فأراهم في عجبٍ من أمرهم، قد أضحت دنياهم جنةً من زخرف، وباطنُها نارٌ تأكل الأرواح! أرى الوجوهَ باسمةً، والقلوبَ داميةً، والأجسادَ قائمةً، لكنّ النفوسَ خاوية، كأنّها هياكلُ تتحرك بلا روح، وأرواحٌ تئنّ بلا صوت!
أين المفرّ من دنيا تدفعُ المرءَ إلى حافةِ الضياع، ثم تلومُه إن هوى؟ كيف للمرء أن يستغيثَ وقد قُطِعت عنه السبل، وضاقت عليه الأرضُ بما رحُبت؟ أفي زمانٍ كثرت فيه الصيحاتُ والضجيج، صار الصوتُ الصامتُ أشدَّ ما يؤلم؟
فهذا داءٌ استعصى على الأطباءِ دواؤه، وأعيا الحكماءَ شفاؤه، فما هو إلا نَفْسٌ تَذبُلُ في صمتٍ، وروحٌ يُطفَأ نورُها شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى منها إلا أثرٌ كأثرِ الريحِ في الرمال.
أما آنَ أن نُبصرَ الداءَ ونبتغي له شفاء؟ أما آنَ أن ندركَ أن النفسَ كما الجسدِ، يعتريها المرضُ ويصيبُها السقم؟ أم أنكم لا ترون إلا ما يُرى بالعين، ولا تُبصرون ما ينهشُ الأرواح في الخفاء؟
إنّها لَكارثةٌ أن تُحاطَ النفسُ بقيودٍ من صمت، يُفرضُ عليها ألا تشكو، وألا تُبدي من أوجاعها إلا ما يُرضي الناس! فإنْ ضعُفتَ، قيلَ: تحاملْ، وإنْ اشتكيتَ، قيلَ: اصمتْ، وإنْ أفصحتَ عمّا يثقلُ روحَك، قيلَ: أوَتراكَ وحدَك المبتلى؟
يا ويحَ الأدمين! كأنما الألمُ يجبُ أن يكونَ مرئيًّا كي يُعترفَ به، وكأنّ الأوجاعَ لا تَستحقُّ الرثاءَ إن لم يَسِلْ بها الدمُ أو لم يَفْنَ الجسدُ! أمَا علمتم أنَّ من الجراحِ ما لا يُرى، ومن النزفِ ما يكونُ داخِلَ الروحِ، فيحرقُها نارًا لا تنطفئُ، ويُذيقُها مرارةً لا تَسكنُ؟
لقد أضحت النفسُ في زماننا غريبةً بين أهلها، مُهانةً بين قومها، إذا اشتكتْ قيلَ عنها ضعيفة، وإذا صرختْ قيلَ عنها مجنونة، وإنْ حاولت النجاةَ، قيلَ لها: اصبري، فغيرُكِ أولى بالعون!
فكيف يُطلبُ من العليلِ أن يكون طبيبَ نفسه؟ وكيف يُرادُ من الغريقِ أن يُنقذَ نفسَهُ بلا يدٍ تمتدّ؟ أمَا علمتم أن الكلمةَ الطيبةَ قد تكونُ حياةً، وأن النظرةَ الحانيةَ قد تكونُ دواءً، وأن الرحمةَ هي الحبلُ الأخيرُ لمن تهاوى في ظلمةٍ لا قرارَ لها؟
أيا أيها الناس، أرأيتم ذلك الذي يمشي بينكم باسِمًا، فلا يُرى عليه الحزنُ، ولا يُسمع منهُ الأنينُ، أيظنهُ أحدكم سعيدًا؟ أيحسبهُ أحدكم سالمًا؟ أمَا تخشون أن تكون تلك الابتسامةُ قناعًا، وذلك الصمتُ استغاثةً لا تجدُ من يجيبها؟
إنّ في كلِّ قلبٍ معركةً لا تُرى، وإنّ في كلِّ روحٍ حربًا لا يُسمعُ صليلُها، وإنّ كثيرًا ممن ترونهم ثابتين، قد يكونون في دواخلهم كسفينةٍ تتقاذفها الأمواجُ فلا شاطئَ لها ولا مَرسى!
ويلٌ لأمةٍ تعاتبُ من يبكي، وتُهينُ من يصرخُ من الألم، وتُلقي بأثقلِ الأحمالِ على من لا طاقةَ لهُ بها! وويلٌ لمن جعلَ الرحمةَ ضعفًا، والشفقةَ سذاجة، والحبَّ واللينَ سِمةَ العاجزين!
وختامًا....أما وقد قيلَ ما قيل، فلا عذرَ لمن أدارَ ظهرهُ واستمرَّ في غفلته! أوَليس في القلبِ بقيةُ إحساسٍ تدفعهُ لنجدةِ المكلومين؟ أوَليس في العقلِ بقيةُ رشدٍ ليُدركَ أن الأرواحَ تُذبَحُ كما تُذبَحُ الأبدان؟
فيا أيها الناس، لا تكونوا سكينًا في جرحٍ لم يندمل، ولا حطبًا لنارٍ تتقدُ في القلوب! وإن رأيتم نفسًا تذوي، فمدوا لها يدًا، وإن سمعتم روحًا تستغيث، فلا تغلقوا آذانكم عن أنينها! فقد تكونُ كلمةُ رحمةٍ قاربَ نجاة، وقد يكونُ العطفُ طوقَ الحياة الأخير لمن يتأرجحُ بين البقاءِ والفناء!
يا من حسبتم أن الألمَ يُرى في الجراحِ وحدها، اعلموا أن أعمقَ الجراحِ تلك التي لا تُرى! ويا من ظننتم أن الصمتَ رضا، إن في الصمتِ وجعًا لو قُسّم على أهل الأرضِ لثَقُلَت به الجبال!
فلا تتركوا المكلومَ في ظلامٍ لا فجرَ له، ولا تجعلوا القلوبَ تهوي إلى قاعٍ لا قرارَ له، فربَّ نظرةِ عطفٍ أحيت، وربَّ كلمةٍ قتلت!
بقلم/
ريم ماهر
