جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

مقال: تحليلى-اجتماعى-نفسى

"من الأنوثة إلى الوحشية، ريا وسكينة في مرآة المجتمع"



ريم ماهر تكتب.... 

حين يتنكر الوجدان لأنوثته، ويتحول الحنان إلى مخالب.....فثمّة ما هو أعمق من الجريمة.

فليس كل قاتل وُلد سفّاحًا، ولا كل يدٍ مضرّجة بالدم كانت تبحث عن القتل. أحيانًا، الجريمة ليست فعلًا، بل صرخة متأخرة. ليست فقط قرارًا لحظيًّا، بل مسارًا طويلًا من الانهيار البطيء. وبينما نُمعن في عدّ الضحايا، ونُطالب بالقصاص، نغفل عن سؤال أكثر إيلامًا: ما الذي يصنع القاتل؟

تحت طبقات السواد في قصة "ريا وسكينة"، لا تقبع جريمة واحدة، بل ألف جريمة. ليست كلها جرائم قتل، بل بعضها صمت، وبعضها تخلٍّ، وبعضها احتقار، وأكثرها: تجاهل. هذه ليست حكاية سفاحتين من نسج الأسطورة، بل مرآة دامية لمجتمعٍ يصنع الوحش، ثم يصرخ حين يراه.

هل وُلد الشر معهما؟ أم أنهما مجرد نتيجة حتميّة لعالمٍ استبدل دفء الأنوثة بندوبها، واستبدل الأمومة بالخوف، والعاطفة بالقسوة؟ هل القاتلة دائمًا من اختارت، أم أن الخيارات سُرقت منها باكرًا، وهي لا تزال طفلة تبكي في زقاقٍ بلا أمان؟

في قصة ريا وسكينة، لا نقرأ فقط عن موت ضحايا، بل عن موت أمل، موت كرامة، موت إنسانية. نقرأ عن كيف يمكن للفقر أن يفتك، لا بالجسد فحسب، بل بالروح. عن كيف يمكن للخذلان أن يُعلِّم الضحية أن تصير جلادًا، لا لتنتقم، بل لتبقى.

فهذه ليست قصة لتخويف الأطفال من الظلام، بل لتخويف الكبار من صمتهم. إنها قصة مجتمع لم يصنع القاتلتين بيده، لكنه صمّم ظروف ولادتهما، وحفر الحفرة، ثم أدار وجهه حين سقطتا فيها. فلم يكن القتل أول الجرائم، بل كان فقط الفصل الأخير في رواية بدأت منذ زمنٍ بعيد، حين لم يسأل أحد: "من ريا؟ من سكينة؟ وما الذي يُدمي أعماقهنّ؟


دعني أُخبرك عنهن....في زقاقٍ متربٍ من أزقة الإسكندرية القديمة، بين بيوت الطين المتصدّعة، وعند مفترق الطرق بين البؤس والفقر، وُلدت حكاية ريا وسكينة. لم تُكتب هذه الحكاية لتُنسى، بل لتبقى، تُروى همسًا في المجالس، وتُهمس كتحذيرٍ في آذان الطفلات:

“احذري من الظلام، فيه يسكن الشيطان، وقد يكون بوجه امرأة.”



ريا وسكينة لم تكونا أسطورتين من خيال، بل لحمًا ودمًا، دمًا كثيرًا... لا على أيدي الرجال هذه المرّة، بل على أيدي امرأتين كسرتا المألوف، وغيّرتا وجه الأنوثة، ونسجتا من الضعف ثوبًا من الرعب.


كان يمكن لريا أن تكون أمًّا حانية، تحنو على أولادها بقلب مملوء بالعطاء، وكان يمكن لسكينة أن تكون زوجةً وفية، تبني بيتًا من الدفء والحب، وتكنس الحزن من عتبة الحياة. لكن القدر، وكان ساخرًا هذه المرة، لم يمنحهما هذا الطريق، بل ألقاهما في خندقٍ مظلم، لا ترى فيه إلا أشباحًا من بشر، وظلالًا تائهة، وأرواحًا تتسكع عند حافة الهلاك.

نشأتا في عالم لا يرحم الضعفاء، ولا يلتفت إلى الباكين. عالمٌ فيه الفقر لا يطرق الأبواب، بل يقتحمها بفظاظة، يسكن الأرواح، ويحوّل الحليب في صدور الأمهات إلى دموعٍ على الأرصفة. تعلمت ريا منذ الصغر أن البكاء لا يُشبع الجوع، وأن الكرامة لا تشتري الخبز، وأن الجسد قد يكون السلعة الوحيدة التي لا ينضب زبائنها في الأسواق الخفية.



فمنذ أن خطا الإنسان أولى خطواته على هذه الأرض، والسلوك العدواني يسكنه كما تسكن النار في رمادٍ ساكن. لم يكن العنف طارئًا، بل جزءًا من تركيبته النفسية، يظهر حين تضعف الضوابط ويعلو الغضب.


ورغم أن العقل هو التاج الذي يميّز الإنسان عن غيره من الكائنات، إلا أن هذا التاج لا يمنعه دائمًا من السقوط في هاوية التوحش. ولعلّنا نراه اليوم متجليًا في أكثر أشكاله بشاعة: عنف أُسَري، تنمّرٌ في المدارس، اعتداءات في الشوارع، بل وحتى حروب تدار بكامل قواها باسم الدين أو الوطن أو “الحق”.


التوحش ليس حالة طارئة دائمًا، بل نتيجة تفاعل معقّد بين ضغوط الحياة، والتنشئة، والنفس التي لم تجد من يروّضها. وهو غالبًا ما يتغذى على الشعور بالعجز، والرغبة في فرض الذات، أو ببساطة، على شهوة السيطرة.


ففي أعماق الإنسان، تعيش بذور التوحش كجزء من غرائزه البدائية. لكن ما يجعل بعض البشر أكثر توحشًا من غيرهم هو غياب البيئة الحاضنة للرحمة، ووجود عوامل متشابكة من القهر والتهميش والانكسار النفسي. حين يشعر الفرد بأنه غير مرئي، غير مسموع، وغير ذي قيمة، يبدأ في التحول إلى كائن يسعى لإثبات وجوده بأي ثمن، حتى لو كان الثمن دم الآخرين. وهنا، يصبح العنف وسيلة لاستعادة سلطة مفقودة أو كرامة مهدورة، دون وعي بأن ما يُمارَس هو سقوط أخلاقي لا نهوض.


لكنّ السؤال الذي يستحق الوقوف عنده هو: هل نحن ضحايا هذا التوحش، أم صنّاعه؟

أحيانًا، نُدينه في العلن ونمارسه في الخفاء. نستنكر القسوة في الأخبار، ونقسو على من نحب. نرفع شعارات الإنسانية، ونعامل غيرنا بوحشية اللامبالاة.


في النهاية، التوحش البشري ليس مجرد انفلات مؤقت. إنه نداء داخلي لا يكبحه سوى وعيٌ مستيقظ، وتربية لا تكتفي بتعليم الحروف، بل تُعلّم الرحمة.


ولعلّ أخطر ما في التوحش أنه لا يأتي دائمًا بصورته الصارخة؛ أحيانًا يتسلّل متخفيًا خلف أقنعة الرقي والتحضّر. قد تجده في نظرة استعلاء، في قرار ظالم، أو في صمتٍ تجاه ظلمٍ واضح. لا يُشترط أن تكون متوحشًا لتضرب، يكفي أن تتجاهل ألم الآخر وكأنّه لا يعنيك.


وفي أقصى تجليات هذا التوحش، نرى ظاهرة السفاحين عبر العصور، كأمثلة صادمة عن انفلات النفس من عقالها. هؤلاء لم يكونوا دائمًا مرضى نفسيين بالمعنى الحرفي، بل في كثير من الأحيان كانوا أشخاصًا يبدون عاديين، بل وحتى ساحرين، لكنهم يحملون في داخلهم ظلامًا عميقًا لا يطفئه شيء.


ومن أشهر تجليات هذا التوحش في التاريخ العربي الحديث، قصة ريا وسكينة، اللتين مثلتا مزيجًا مرعبًا من الانهيار الأخلاقي والانفصال عن التعاطف الإنساني. لم تكن جريمتهما مجرّد قتل بدافع السرقة، بل سلسلة أفعال ممنهجة أظهرت قدرة بشرية مرعبة على ممارسة العنف بدم بارد، ضد نساء بريئات، دون ذرة شفقة.


وربما ما يجعل قصة ريا وسكينة أكثر رعبًا من غيرها، ليس فقط عدد الضحايا أو بشاعة التفاصيل، بل كون مرتكبيها امرأتين. فقد كسرت القصة الصورة التقليدية للمرأة ككائن حنون أو ضعيف، وقدّمت نموذجًا صادمًا للأنوثة حين تفترس. كان المجتمع – آنذاك وحتى اليوم – غير قادر على استيعاب هذا الانقلاب في الأدوار، فأن تقتل امرأة امرأة أخرى، وأن تخطط وتُخفي وتكرّر، جعل الجريمة تتجاوز كونها فعلًا إجراميًا إلى كونها صدمة ثقافية وأخلاقية لا تُنسى.


توحش ريا وسكينة لا يكمن فقط في عدد الضحايا، بل في كسر الصورة النمطية لـ"المرأة الضعيفة"، وتحولها إلى أداة قتل. هنا، نرى كيف يمكن للإنسان، مهما كان جنسه أو طبقته، أن يتحول إلى وحش إذا ما غاب الضمير وتغذّت النفس على الطمع والخوف والبيئة القاسية.


إن ما يجمع بين العنف اليومي والسلوك الإجرامي المتطرف، من الشارع إلى ريا وسكينة، هو غياب الميزان بين الغريزة والوعي. الفرق بين الإنسان والسفاح ليس دائمًا في النوع، بل في الدرجة، وفي قدرة كلٍّ منهما على كبح الوحش بداخله.


ولعلّ الإعلام الحديث أسهم – بقصد أو بغير قصد – في تطبيع هذا التوحش، حين يُحوّل المآسي إلى مادة للترفيه، والعنف إلى "ترند" يُلهب المشاهدات. حتى الألم أصبح مادة استهلاك، تُعرض على الشاشات وتُنسى عند أول إعلان.


التوحش أيضًا لا يعيش في المجتمعات الفقيرة أو المهمشة فقط، بل يتغلغل في القصور كما في الأحياء الشعبية. فالعنف لا يعرف طبقة، بل هو ابن البيئة التي تُبرره، وتُعطيه أسماء ناعمة لتموّه بشاعته: "تأديب"، "حزم"، "حماية الشرف".


وحتى نكسر هذا الإرث، لا يكفي أن نُدين السلوك الوحشي، بل علينا أن نعيد بناء المفاهيم من جذورها: أن نُربّي أطفالنا على التعاطف لا على التنافس الأعمى، أن نُعلّمهم كيف يُعبّرون عن غضبهم دون أن يُؤذوا، وكيف يختلفون دون أن يتحوّل الخلاف إلى حرب.




ولم تكن جريمة ريا وسكينة جريمة قتلٍ عادية، عابرة كغيرها. لم تكن شجارًا انتهى بطعنة، أو خلافًا سالت منه الدماء. بل كانت جريمةً تحمل في طيّاتها خيانةً مزدوجة: خيانة للإنسان، وخيانة للأنوثة ذاتها. تلك الأنوثة التي فُطرت على الرحمة، على الحنو، على السكون، تحوّلت – في لحظة – إلى وحش ينهش، إلى ذئبة تُرعب، إلى كابوس تمشي فيه المرأة إلى الموت على يد امرأةٍ مثلها.

كنا نظن أن القاتل حين يتجسد، سيكون رجلًا، بعضلاتٍ مفتولة، ونظرة حاقدة، لكن ريا وسكينة نسفتا هذا التصور. نحن هنا لا نتحدث عن قاتلتين فحسب، بل عن نساءٍ أخرجن الموت من تحت أذيال التنانير، ومررن به على الضحايا في فناجين الثقة، وجعلنه طقسًا شبه يومي في زوايا البيت، تمامًا كما يُعد الشاي في المساء.


وذلك التحول، من امرأةٍ إلى ذئبة، لا يولد فجأة، لا ينبثق من فراغ. إنه كالرصاصة في جوف بندقية قديمة، تتغذى من قهرٍ طويل، من غيابٍ مستمرٍ للأمان، من طعنات متراكمة، ومن ظلامٍ لا يرى فيه القلب ضوءًا. القسوة لا تأتي وحدها، بل تُربّى. تنمو كالحشائش الضارة في تربةٍ أُهملت طويلًا.

فهل كانت ريا ضحية قبل أن تكون قاتلة؟ وهل وُلدت سكينة سفاحةً أم صارت كذلك بفعل الزمن والرجال والخذلان؟ أسئلة لا يبحث عنها القانون، لكنها تسكن وجدان الباحثين عن الحقيقة، المهتمين بالشقوق العميقة في النفس البشرية، الساعين لفهم كيف يتولد الجحيم في داخل إنسان.


ريا وسكينة لم تدخلا عالم الجريمة وحدهما. دخله معهما الفقر، ودخل الغضب، ودخل الشعور بالحرمان، ودخل الرجال الذين اعتادوا أن يأخذوا ثم يرحلون. كانت حياتهما سلسلةً من الخيبات، طعنة تلو الأخرى، حتى باتت الطعنة ردًّا طبيعيًّا على كل يدٍ ممدودة.

رأت ريا كيف يُباع الجسد لأجل كسرة خبز، ورأت كيف تُدفن البراءة في قعر كأس، كيف يتحول الإنسان إلى ظل، لا يُسأل عنه أحد. في تلك اللحظة، لم تعد ترى نفسها امرأةً، بل شيء يُباع، يُستخدم، يُنسى. حينها، صار القتل أهون من الحياة، وصار الغدر وسيلةً للبقاء.


الضحايا كن نساءً مثلما كانتا، لكنهن – في نظر القاتلتين – نساءٌ محظوظات. يمتلكن ذهبًا، وجمالًا، وأزواجًا، وأحلامًا، بينما كانت ريا وسكينة تقفان على الرصيف المقابل، بأرواح مشروخة، وأجسادٍ أرهقها الاستخدام، وقلوبٍ أكلها العفن.

وأما عن العدالة الجنائية أعدمت عنقيهما، وربما أراحت المجتمع من خوفه، لكنها لم تجب عن السؤال الأصعب: لماذا صارت ريا وسكينة كذلك؟ العدالة النفسية أكثر تعقيدًا، لأنها لا تُرضي الرغبة في الانتقام، بل تبحث في الجذر، تفتش عن البذرة التي خرج منها هذا الخراب.

ربما لم نجد لهما عذرًا، لكننا وجدنا فهمًا. وجدنا أن من عاش الظلم طويلًا، قد يظلم. أن من دُفع إلى القاع بقسوة، قد يغرس مخالبه ليصعد، حتى ولو فوق الجثث.


والقضية ليست فقط عن قتل، بل عن تمرد، عن انتقام من طبقةٍ لم ترَ فيهما إلا فقرًا وقذارة. كانت ريا وسكينة – ربما – تقتلان الحظ، لا الضحية. يذبحان الرفاه الذي لم يعرفاه. كنّ يسلبن من النساء ما كانتا تتمنيان امتلاكه: المجوهرات، الأمن، الاحترام، وربما الحب. هو ثأر غير واعٍ من القدر، لا من النساء ذاتهن.

في كل جريمة، كانت ريا تمحو جزءًا من ماضيها، وكانت سكينة تبصق في وجه الواقع الذي قهرها. لكن المأساة أن كل ضحيةٍ، كانت تصرخ بذات الصوت الذي صرخت به ريا قديمًا. وكل توسُّل كان يعكس صورة الطفلة التي كانت يومًا ما. لكنهما، وقد تحجرت القلوب، لم تعودا تسمعان إلا صوت الغضب القديم.


في الحقيقة، لم تقتل ريا وسكينة النساء وحدهما، بل اشترك معهما المجتمع الذي أنجبهما، ذلك الذي صمّ آذانه عن الألم، وأغمض عينيه عن الظلم، وباع القيم في سوق المصالح. لم تكن الجرائم تحدث في الفراغ، بل تحت سماء صامتة، وبين جدران عمياء.

كان يمكن إنقاذ ريا. وكان يمكن احتضان سكينة. كان يمكن أن يكون لهما بيتٌ لا ينهش فيهما الرجال، ولا يصفعهما الفقر، لكن أحدًا لم يلتفت. المجتمع فضّل أن يراهم عاهرات، لا ضحايا. وتجاهل أن المومس قد تكون أمًّا جائعة، وأن الذنب لا يولد مع الإنسان، بل يُزرع.


وليست حكاية ريا وسكينة قصة رعب نرويها على أطراف المجالس لنقشعر، ولا صفحة دامية في كتاب الجريمة نطويها ثم ننام. إنها مرآة، صدئة أحيانًا، لكنها صادقة؛ تعكس وجوهًا عديدة لنا نحن، لمجتمعٍ يُدين الضعف لكنه لا يرحمه، يُعلي القيم في خطبه، ثم يدهسها حين تمشي حافية في الأزقة.

في ريا وسكينة شيءٌ من كل امرأة جُرّدت من الأمان، ومن كل رجلٍ تخلى، ومن كل مجتمعٍ سدّ الأبواب بوجه المستغيث. فالجريمة، حين تقع، لا تكون لحظة انفجار فقط، بل نهاية حتمية لمسار طويل من التآكل الصامت. وحين تُسفك الدماء، فثمة نزيف قديم لم يُلتفت إليه، نزيف في النفس، في الذاكرة، في المعنى ذاته للعدالة.

ربما لو مرّ أحد بجانب ريا وهي تبكي طفولتها، وألقى على رأسها المبتل بماء الخيبة قبعة دفء، أو على يد سكينة المرتجفة وشاح أمان، لتغيّر كل شيء. لكنهم لم يفعلوا. تركوهما وحدهما في مواجهة العالم، ثم صُدموا حين أصبحتا كائنين غريبين، لا يشبهان ما كانوا يتمنون. نسوا أن الإنسان حين يُنسى، يُعيد خلق نفسه على صورةٍ أخرى، مشوهة، حادة، دامية.

الخوف الحقيقي لا يكمن في أن تخرج امرأتان من رحم الفقر لتغدو كلٌّ منهما قاتلة، بل في أن نعيش في مجتمعٍ ما زال يصنع كل يوم "ريا" جديدة، و"سكينة" أخرى، ولا يسأل نفسه: ماذا لو لم نصمت؟ ماذا لو احتوينا بدل أن نحاكم فقط؟ ماذا لو فهمنا قبل أن نجلد؟!

القصّة ليست عن مجرمات فحسب، بل عن ضحايا خسرن معركتهن مع القسوة، فحوّلنها إلى معركة ضد من حولهن. هي نداء، لا لكي نبرّر الشر، بل لنفهم كيف يولد. هي صرخة في وجه الزمن، أن لا تدفنوا الأمل في زقاق، ولا تتركوا الجوع ينهش قلوب الأمهات، ولا تسمحوا للخذلان أن يصير قدرًا مكتوبًا على جبين النساء.


إن ريا وسكينة، حين سقطتا في النهاية تحت مقصلة العدالة، لم تسقطا وحدهما. سقطت معهما مسؤوليتنا التي لم نتحملها، وأعيننا التي أغمضناها، وقلوبنا التي قست، وأسئلتنا التي لم نطرحها. ومتى ما استرحنا إلى رواية الجريمة واكتفينا بها، دون أن نفتح رواية الإنسان، فإننا نكون قد كررنا الخطأ ذاته: جلدنا الجسد، وتركنا الروح تصرخ في الظلام.

فلنعد النظر، لا في الجريمة فقط، بل في الشروط التي مهدت لها. لعلنا لا ننقذ الماضي، لكن ربما، فقط ربما، نمنع مستقبلاً شبيهًا من أن يولد في عيون من لم يرهم أحد بعد.

فقصة ريا وسكينة ليست حكاية زمنٍ مضى، بل تحذيرٌ أبدي. تحذير أن نعتني بالمهمشين، أن ننظر في عيون من يسكنون القاع، أن نتذكر أن كل قاتلٍ – في بدايته – كان مجروحًا، أن الظلام لا يصنع وحده، بل نحن نصنعه حين نترك طفلًا يُضرب، وامرأةً تُهان، وكرامة تُهدر. 

ولم تكن ريا وحدها من أمسكت بالسكين، فنحن جميعًا، ربما، شحذناها بصمتنا، وتغافلنا عن تهشم أرواحنا، وتركنا ذواتنا فريسة للعلل النفسية وما هي فاعلة بنا من دمار وخراب. وحججنا كانت واهية، وكلما صمتنا، كان الظلام يكبر في أعماقنا. فهل سنظل نغض الطرف عن صراخ المظلومين، أم أننا في يومٍ ما سنرفع السكين التي بيدنا؟! ربما لو استمعنا لصرخاتنا قبل أن تُختطف، لكان المستقبل أقل سوادًا، لكن الزمن لا يرحم، والمساء لا يعود ليشبع ضوءه. فالسكين التي شحذناها في صمتنا، قد تجد طريقها إلى نفوسنا يومًا، إن لم نكف عن تكرار الخطايا.

بقلم:

ريم ماهر. 




إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022