سوء البشر وثعبانيتهم في التعامل.
ريم ماهر تكتب....
في عالمنا هذا، الذي تتشابك فيه العلاقات وتتداخل الأهواء، يظن الكثيرون أن الابتسامة هي رمز الأمان والود. لكن الحقيقة التي يجب أن نراها بعين منفتحة، هي أن كثيرًا من البشر قد يتقنون فنَّ الابتسامة، لا لأنها تعكس صدقًا، بل لأنها تخفي وراءها أنيابًا حادة، تنقضُّ على فريستها في لحظة غفلة. إنهم يشبهون الثعابين، التي لا يظهر منها سوى الجلد الناعم، بينما يختبئ في داخلها سمٌ قاتل.
هل لاحظت، مثلما يحدث في عالم الحيوان، كيف أن الثعبان حين يزحف بين الحصى، لا يترك وراءه أي أثر من ضجيج؟ هو فقط يمرُّ بهدوء، بينما يترك خلفه سُمًّا قاتلًا. هكذا يفعل بعض البشر؛ يمرون في حياتنا دون أن يثيروا الانتباه، يبتسمون لنا بألف وجه، يحاولون أن يوهمونا بالأمان، ليغرسوا فينا سُمَّهم عندما نكون في أضعف حالاتنا. يعانقوننا كما لو كانوا أصدقاءً مخلصين، لكنهم في الحقيقة يطعنوننا في الظهر عندما نغفل عن حذرنا.
من خلال تجربتي، أصبحت أدرك أن مثل هؤلاء البشر ليس لهم وجه واحد، بل وجوهٌ عديدة، تتبدل حسب المصلحة. هؤلاء لا يرحمون، يراقبون خطواتك كما يراقب الصياد فريسته، يخططون ويترصدونك حتى يظنوا أنك قد أصبحت ضعيفًا أو في مأزق، ثم ينقضون عليك. لا يعرفون من الوفاء سوى اسمه، لكنهم لا يدركون معنى المعنى العميق للوفاء الذي يربط بين القلوب. هم من أولئك الذين يبدون كالملائكة في الظاهر، ولكنهم في الواقع ليسوا سوى شياطين متقنعين.
وما أسوأ الخيانة عندما تأتي من شخص قريب، شخصٍ كنت قد ظننت أنه جزءٌ منك، يشترك معك في الأفكار والمشاعر. هؤلاء يُحسنون استغلال نقاط ضعفك، يتسللون إلى أعماقك، يُحيطونك بحبال من الوعود الكاذبة، ليجعلك تعيش في وهم الأمان. لكن بمجرد أن تشعر بالراحة، يظهرون أنيابهم، ويضربونك في حيث لا تتوقع. ويبدأون في الانسحاب بعد أن يتركونك وأنت تتساءل عن السبب، وهم يبتسمون لك ابتسامة صفراء، كما لو أنهم لم يفعلوا شيئًا.
إنهم لا يشعرون بالذنب، ولا يعترفون بخطاياهم. بينما هم يراقبون سقوطك وكأنهم يشاهدون مسرحية، يضحكون في سرهم، يتسلون بآلامك. لم يشعروا يومًا بمعنى الخسارة أو الحزن، لأنهم يملكون القدرة على العيش في عالم من الزيف والكذب، حيث تُصبح المبادئ مجرد كلماتٍ فارغة.
ثم هناك من يجيدون التلاعب بالكلمات. هؤلاء يتقنون فنَّ الكلام المعسول، يغازلون مشاعرنا بكلماتهم العذبة، ووعودهم الكبيرة، حتى إذا تفتحنا لهم قلوبنا، تجدهم يرحلون في أقرب لحظة، دون أن يتركوا وراءهم سوى الذكرى المريرة. يكذبون ببراعة، ويخدعون بمهارة، ولا يشعرون بالندم أو الخجل، لأنهم تعلموا منذ البداية أن الخداع هو الطريق الأقصر للوصول إلى أهدافهم.
(سحر الكلمات والوجه المبتسم)
في عالمنا المليء بالكلمات المنمقة والوجوه المبتسمة، يصبح من الصعب تمييز الصادق من المتلاعب. تلك الابتسامة التي تُظهِرها وجوههم، مثل السحر، تخدعنا، وتبني جسرًا وهميًا من الثقة بيننا وبينهم. ولكن حينما نغرق في تفاصيل العلاقة، نكتشف أن تلك الابتسامة ما هي إلا قناع يخفي وراءه نوايا غير طيبة. إنهم يتقنون فنون اللسان ويجيدون اللعب على أوتار مشاعرنا، ليجعلونا نشعر بالأمان في حضن الخداع. لكن ذلك الخداع سرعان ما يتبدد حين تشتد الرياح وتكشف لنا عورات الواقع، لنكتشف أننا في الحقيقة لم نكن سوى ضحية لعبتهم البارعة.
(الوحوش المتخفية في الزمان والمكان)
تخيّل، لو أنَّ الخيانة كانت مخلوقًا حيًا، ماذا سيكون شكله؟ ربما سيبدو مثلهم، أولئك الذين يدّعون الودَّ ولا يتوانون عن غرس الخنجر في القلب في اللحظة التي نغفل فيها. إنهم يشبهون الوحوش المتخفية في الزمان والمكان، يختبئون في الظلال وينتظرون اللحظة المناسبة لينقضوا علينا. كل خطوة يتخذونها مدروسة، كل كلمة يقولونها مخططة، وكل ابتسامة على وجوههم هي جزء من مؤامرة خبيثة. ومع مرور الوقت، يصبحون أكثر براعة في فنِّ التلاعب، حتى نبدأ في الشك في كل شيء من حولنا. لكن، وفي النهاية، يظل السؤال المحير: هل نستطيع أن نكتشفهم قبل أن يُفاجئونا بكيدهم؟
ولنكن صرحاء ونفصح بأن هؤلاء البشر لا يتعاملون مع الحياة بنفس الطريقة التي نتعامل بها نحن. فهم لا يهتمون بالحقيقة أو الصدق، بل يعيشون في عالمٍ موازٍ من الأكاذيب، الذي يجيدون التكيف معه. يبتسمون ويقولون لك ما تحب أن تسمعه، لكنهم لا يقصدون ما يقولون. لا يهمهم إذا كانت مشاعرك قد جُرحت أو إذا كانت ثقتك قد تم انتهاكها. هم يسيرون في الحياة، يمضون قدمًا وكأن شيئًا لم يكن، حتى وإن كانت قلوبنا قد تكسرت على أيديهم.
أما بالنسبة لنا، نحن الذين نعتقد أن البشر يمكن أن يكونوا طيبين وحقيقيين، قد يجدنا هؤلاء في لحظة ضعف، ويستغلونها لصالحهم. هم يعرفون تمامًا كيف يلتقطون لحظة الضعف فينا، وكيف يتسللون إلى أعماقنا، ليتركوا أثرًا لا يُمحى. لأنهم يعرفون جيدًا أن الإنسان عندما يكون في حاجة إلى الدعم، يكون أكثر عرضة للخداع.
وبعد أن يعبروا عن كذبهم وتمر الأيام، تكتشف أخيرًا أنك كنتَ مجرد فريسة في لعبةٍ قديمة، تعلموا فيها كيفية خداع الآخرين. لكن هذا ليس نهاية القصة، لأنك قد تتعلم شيئًا جديدًا عن نفسك، شيءًا قد يقويك ويجعلك أقل عرضة للإصابة. إن الحياة، رغم صعوبتها، لا تتوقف عند الخداع. بل يجب أن نتعلم أن نرى الحقائق بوضوح، وأن نتمسك بالقيم والمبادئ التي تحمينا من هؤلاء البشر.
والدرس الأهم هنا هو أن من يدعي الحب أو الوفاء، قد يكون في واقع الأمر هو الذي يحمل أكثر الأسلحة فتكًا. فتجنبهم، لا لأنهم أعداءٌ مرئيون، ولكن لأنهم يُجيدون التخفّي وراء قناعٍ جذاب. كن حذرًا في التعامل مع من يدّعي القرب، لأن القريب قد يكون أكثر خطرًا من البعيد. تعلم أن تبني حدودًا واضحة مع من حولك، ولا تدع الثقة العمياء تظلم عقلك. فالحذر في هذه الأيام أصبح أكثر من ضرورة، إنه بمثابة درعٍ يحميك من أولئك الذين يتربصون بك في الظلام.
بقلم:
ريم ماهر.
