مقال أدبى-تأملى-ساخر
لماذا يسكن الجنُّ القرى، ويهجر الكومباوندات؟
ريم ماهر تكتب...
ثمة شيء غامض في أطراف القرى لا يُرى ولا يُمسّ لكنه حاضر حضور الظلّ حين يشتدّ الضوء فيغدو كثيفًا كالحقيقة ثم يختفي بلا أثر في غفلة عين. هناك فقط، حيث الطريق الترابيّ يعرف خطوات الأجداد وحيث النخل يحفظ أسماء الموتى، يظهر الجنّ. لا صخب، لا حراسة، لا أضواء تُطفئ الرهبة. هناك كل شيء قابل لأن يُروى، كل شيء قابل لأن يُصدَّق.
في المدن لا يتجوّل الجن، أو لعلّه لا يجد سبيلاً إلى الظهور. الكومباوند ليس له ذاكرة، ولا جدرانه تحتفظ بالهمس، ولا أشجاره تعرف الفرق بين ريحٍ حقيقية وذبذبةٍ كهربائية. المكان مصقول كمرآة، والمرايا لا تحتفظ بالأشباح. الجنّ لا يحب الأماكن التي تنكر الخرافة، لا يحب البيوت التي لا تعترف بالخوف، ولا يسكن بيتًا تُراقبه الكاميرات من كل زاوية.
القرية، في وحدتها، في هدوئها البعيد، تفسح له مقعدًا. تسمح له أن يكون جزءًا من الحكاية، لا خصمًا لها. في الليل، حين ينسحب الجميع إلى النوم، يبقى الجنّ هناك، يسير في الظلال، يفتح بابًا نسي أحدهم أن يُغلِقه، يحرّك ستارةً خلف النافذة، يتنفس مع الريح. ليس لأنه شرير، بل لأنه يُحب أن يُرى دون أن يُسأل، أن يُصدَّق دون أن يُطالَب بالدليل.
المدينة قاطعة، عقلانية، تُكذّب قبل أن تُنصت. كل صوتٍ فيها يُعزَى إلى سبب. كل رعشة تُنسَب إلى الأعصاب. لا مكان للخرافة في حيّاد الأجهزة، ولا مجال للعفريت في حضرة التكنولوجيا. الجنّ لا يسكن فيلا بواجهة زجاجية ونظام أمن ذكي. إنّه كائن قديم، لا يفهم معنى كلمة إنذار ولا تهمّه جودة الشبكة، يبحث عن المكان الذي لم تطله بعد يد التفسير.
لعلّه مثل الشعراء، يهرب من الضجيج، يعشق الزوايا المنسيّة، يتكئ على جدارٍ نسي الزمان اسمه، لا يريد أن يُرى بل أن يُحَسّ. وإن كان لا بد من الظهور، فهو يختار الأماكن التي تعرف كيف تُصغي، كيف ترتجف دون فضيحة، كيف تحتضن الغريب دون أن تطرده من الحكاية.
الجنّ لا يغادر القرى لأنه وُلد فيها فقط، بل لأنه حين زار المدينة، لم يجد نفسه. وجد الضوء أكثر من اللازم، والناس أقل خيالًا مما ينبغي، وجد الأسئلة سريعة واليقين باهتًا، فآثر العودة إلى حيث السكون أوسع من الكلام، وحيث كل بيتٍ قديم يمكن أن يُناديه باسمه، دون أن يصرخ.
بقلم:
ريم ماهر.
