الاعلامية شرين فكري تكتب: رسالة إلى لين القلب
بقلم /شرين فكري
ولعل رزقك في لين قلبك حين تكسرك طيبتك الزائدة وتنهار عزيمتك تحت وطأة الهزيمة
روحك التائهة تهمس:
حقيقةُ البشر مخيفة حين تظهر معادنهم، ومرعبة حين تصدمك خفايا نفوس وثقت بها. إنها بشعة عندما تخسرك الكثير منهم مع سقوط أقنعتهم، تلك التي تُخفي عقولًا مشوّهة وقلوبًا زائفة تتظاهربالفضيلة، تكون قبيحة عندما تكسرك طيبتك الزائدة، ومؤلمة أكثر حين تَكْتشفُ أنك كنت خارج حساباتهم، ولا تساوي لديهم شيئًا .
" لا تصدقوا الكلمات اللطيفة، خذوا الحقيقة من أفواه المواقف"هكذا تتأكد مقولة الأديب نجيب محفوظ عندما تمر بمحنةٍ خانقة أو بلية. ففي اللحظات العصيبة، حين تكون في أمس الحاجة إلى مَنْ يساعدك ويدعمك ويحتوى ضَعفك، تجد نفسك تلجأ تلقائيًا إلى مَنْ تحب وتثق، باحثًا عن الطمأنينة وراحة القلب. لكن وسط أزمتك، تصدمك الحقيقة المرّة؛ لم تكن بالنسبة لهم شخصًا ثمينًا كما كانوا بالنسبة لكَ. تكتشف قسوة المواقف حين تراهم متجمدي المشاعر، فاقدي الحماس تجاه شدتك ولحظاتِ يأسِك، كأنهم قلوب صماء مجردة من الأحاسيس. وقتها ينهكك الصراع النفسي، ويعتريك اليأس والخذلان، فتقف حائرًا بين خوفك وكبريائك وغضبك، مدهوشًا من صفعة الحياة ومرارة الواقع. حينها تدرك - وأفكارك تلتهمك وسط ذهولك - أن المواقف وحدها كاشفة مضيئة لكل ما هو طيب ونقي، وفاضحة لكل زائف ومضطرب. توقن أن حياة خداعة، وأنك كنتَ ساذجًا حين منحت بسخاء بلا مقابل، لا طمعًا في مردود، بل رغبة في التقدير حين يصيبك مكروه. حقًا كما يقال:"الإنسان ممكن يعمل اللي مايتعملش من غير مقابل، بس مستحيل يستمر فيه من غير تقدير".
في تلك اللحظة، تفقد الإحساس بالحياة. خيبة أمل تهزم كل التوقعات عندما تراهم يتساقطون كأوراق الخريف، ليصبحوا غرباء بعد أن كان يتقاسمون معكَ أجمل الذكريات. تختار الصمت أو ربما البكاء حين يعجز الكلام. يُقال: " لعل رزقك في لين قلبك" نعم، لكن مع بعض العلاقات الموجعة،تتحول الطيبة الزائدة إلى عبء، ويصبح فرط التحمل لإيذاء المشاعر ثمنًا للحفاظ على الود. تجد نفسك مصدومًا أمام مشهد يأسك، تائهًا بين الذكرى والواقع، تدفع بروحك الهشة نحو الهاوية متسائلًا :"هل ما زلت حقًا على قيد الحياة؟ أين اختفى الجميع؟ " وحين لا تُتاح لكَ رفاهية إظهار هشاشتك أمام الآخرين، تلجأ إلى عزلة قلبك، وحيدًا في مواجهة صمتك.
*****
عقلك الواعي يقول:
حان الوقت، أيها القلب الطيب، أن تخفض من سقف توقعاتك، خاصة مع تلك اللحظات الفارقة في حياتك، حتى لا تُصدم مجددًا، ولا تعيش عمرك مذهولًا من قسوة الحقيقة. لقد منحتك بعض اللحظات الفرصة لتكشف وجوههم وقلوبهم المزيفة، لا من كلماتهم، بل من أفعالهم المتكررة. هي لحظات تجبرك على إعادة ترتيب أولوياتك، بعدما أعطيت الأشياء قدرًا أكبر من حجمها. فإياك أن تؤذي نفسك مجددًا بالصبرعلى علاقة سامة على أمل أن تتغير، بينما هي تقتلك نفسيًا وعصبيًا مع مرورالوقت. والسؤال هنا:"هل صار في هذا الزمان الاهتمام الزائد بالآخرين يفقدك كرامتك؟ أليس من المفترض أن تكون العلاقات الإنسانية أكسير الحياة، والترياق الوحيد ضد الذبول الروحي والموت النفسي؟ أليس من المفترض أن تكون العلاقات القوية بين الأهل والأصدقاء التي دامت لسنوات، نقية كالعسل المصفى من المنفعة، مضافًا إليها الكثير من الدفء والونس؟.
يُقال :"من يقدم لكَ الاهتمام والإخلاص، فإياك أن تهمله أبدًا، لأن هذه النوعية من القلوب على وشك الانقراض " لكن في وقتنا الحاضر، مَنْ يقدمُ الحب والاهتمام، لا يُقابل ما يستحقه. أصبحت الطيبة غباء في عالمٍ زائف لا تستحقها. يومًا بعد يوم ترى نفسك بلا قيمة لدى الآخرين، تأكلك الخيبة من الداخل بسبب طيبتك الزائدة. تعطي بلا حساب دون أن تراعي نزيف مشاعرك، التى تتأذى لاحقًا من نفس الأشخاص الذين منحتهم الكثير. فرط الاهتمام يجعل الآخرين يرونه حقًا مكتسبًا، وحين تتألم من تجاهلهم، يفاجئك بعضهم بقوله:"أنتَ من عوّدنا على ذلك، فلا تلوم إلا مشاعرك الجياشة، وحبك وخوفك علينا" .
حقًا، تمر على الإنسان لحظات يودّ أن يتوقف عن الحديث حتى مع نفسه، أن يعيش في صمتٍ كامل، بلا كلمة أو فكرة أو شعور. لحظات يعتريه فيها الخوف من خسارة أشياء لم يكن يتوقع أبدًا أن يفقدها، من فقدان من يحبهم، رغم إدراكه أنه لا قيمة له في نظرهم. لو باح قلبك بسر ضيقك تجاهم - الكامن في مرقده منذ أمد - لأدركت أن جفائهم وتقصيرهم فى حقك، وكل ما يصيبك من خذلان، ما هو إلا نتيجة طبيعية لردود أفعالهم السلبية. فتجد نفسك حزين الروح، تفتح عينيك على واقع مؤلم لم تختره، وأنتَ تحصى عدد انتكاساتك، حتى يعجزك العد. تشعر بالظلم وتفشل في الانتصار لقلبك، لأن الله رزقك لينًا في عالم قاسٍ. حينها تضطر إلى تغيير بعض مبادئك لتساير الحياة، تجبر نفسك على القيام بدور لا يناسبك، تتظاهر بما ليس في داخلك، وأنتَ ترىَ الأشياء من حولك تتلوث، فتمضي متألمًا بصمت، وتضيق روحك يومًا بعد آخر، وأنت تهمس : " بُلينا بلين القلبِ في وسط قومٍ قلوبهم أقسى من الصوان ".
نعم، لقد فاق قلبك وجاوز حد الاحتمال من شدة الخذلان. ظل صامتًا باكيًا مثقًلا بوجع التجاهل وقلة التقدير، رغم أنك لم تبخل يومًا باهتمام أو تقدير، بل بذلتهما بسخاء في حياتك. تشفق على حالك، وتهمس بروحٍ كسيرة :"إذا لم أجد من يكترث يومًا لإختفائي ﻷسابيع، من يسأل عني؟ من يحتوي لحظات انكسارى؟ فهل سيشعر أحد بغيابي حينما أموت وأنتقل إلى الرفيق الأعلى". هناك شيئان يجرحان الإنسان؛ خيانة تأتي من صديق، ورحمة تأتي من عدو.حقًا الإنسان إما أن يتبدل إذا تأذي أكثر ما يستحق أو يتعلم اكثر ما يريد .
*****
أما قلبك المرهف:
" والله ما فرطت يومًا في ود، ولا نكرت لأحد فضلاً، ولا بدأت عداوةً، ولا حتى نويت، ولكني عزيز النفس إن هان قلبي فارقت " هكذا صرت تردد تلك المقولة يا حائر الروح ويا صاحب القلب اللين، بينما تطاردك لعنات التفكير ككابوس مخيف، تحاوطتك الحيرة كطوقٍ لا فكاك منه، تلاحقك الهزيمة، وتهدم عزيمتك عند لحظة ضعف الآخرين حين يطلبون المساعدة، فتغلبك دموع صامتة تحذرك قبل انهمارها، فتسكت ... ثم تنصرف. يخرج صوتك مجروحًا بنبرة تئن من الوجع، وأنتَ تدرك قلبك حزين وصوتك مكتوم، بعد أن تبدلت المعاني وأتضحت الصورة. تعي كم هو صعب على عقلك الطيب وروحك الحانية أن ينطقا بتلك الكلمات، لكن بعد ذلك الخزي الذي رأيته وقت الشدة ممن وثقت بهم، لم تعد كما كنت. ما حدث لم يكن سوى وسيلة لرؤية الحقيقة، بعد أن ظللتّ تسترجع أحداثًا مؤلمة، لحظات كنت فيها سندًا لهم، لم تتوانَ عن بذل كل ما في وسعك لدعمهم. لكن المواقف عرتّ المشاعر، فوجدت نفسك اليوم على هامش قلوبهم المتحجرة، في أشد أوقاتك صعوبة. تحملت ألمًا نفسيًا وجسميًا لم تتصور مداه، حتى بات فوق احتمالك. واليوم، عليك أن تتعلم قسوة القلب مثلهم، لتصفعهم بقوة، ليدركوا أنك لم تعد تلك الروح الطيبة التي أورثها الله قلبك اللين، رغم كل ما انكسر فيها .
أحياناً، لا يفتح التسامح كل الأبواب، بل يجبرك على تغيير معاملتك، حتى لا تصاب بالخيبة مجددًا، لكنك لا تستطيع ذلك بسبب طبيعتك النقية المؤمنة، التي تخذل توقعاتك مع كل موقف، حين تهمس لنفسك :" يومًا ما سيتغيرون". ألا ترى العاصفة التي تهب بداخلك؟ ألا تشعر بتمرّدك للحظات، كغليان غضب عابر؟ كيف يمكن أن تضحي بنفسك من أجل الآخرين؟هل يوجد داعٍ لجحيم آخر بينما يحارب قلب الإنسان عقله؟ تهيج تلك الرياح العاتية عندما يضعف قلبك الرقيق أمام أي موقف يحدث لهم مجددًا. تجد نفسك تهرول نحوهم، تسعى لتكون سندًا، وكأن تأنيب الضمير يطاردك إن لم تفعل ما يمليه قلبك الحنون ، رغم تبلّد إحساسهم في كثير من المواقف لك. يثور الطوفان داخلك حين ترى طيبتك تطغى على حرب أفكارك، حين تخونك نيتك في التمرد الذي أعلنه عقلك مسبقًا في عز أزمتك. أنت تعيش في متاهة مظلمة، بين ما يرده قلبك الطيب، وما يرفضه عقلك الواعي لزيف الحياة التي تحياها .
مع استغلال طيبتك، يومًا بعد يوم، سترى روحك تختنق وسط ظلام هذه الحياة. سيعاني قلبك من دوامة لا ترحم ، يخوض صراعًا مرهقًا مع عقلك، الذي يستنزف طاقته إن لم تعد أولًا حساباتك مع نفسك قبل أن تفكر في الآخرين الذين يقللون من قيمتك. أحيانا، تجبرنا الحياة على اتخاذ قرارات صعبة، لا تشبه شخصيتنا ولا توافق فطرتنا. ولهذا توقف عن معتابة من أساء إليك واصمت وابتعد بهدوء. ارحل دون تبرير، فقط ارحل. كُن واثقًا أن هجرك لمن يؤذيك سيغمرك بالسكينة، وستشعر براحة تسري في صدرك بعدما تنتهي .
أنت لست ضحية الآخرين فقط، بل ضحية تفكيرك غير الناضج تجاه من يؤذي مشاعرك، بينما تتغاضي عن أفعالهم في كل مرة. اخمد الألم الذي بداخلك، واخرج من القفص الذي يخنق روحك، وتخطى الندم الذي ينهشك. اهجر تلك المخلفات التذكارية لقلبك المحطم أو ادفنها في زاوية مظلمة من عقلك. تجاوز الماضي وابتسم رغم الدموع، اضحك رغم نزف قلبك. فاعلم أن ما سينقذ روحك هو التمسّك بكبريائك. لا أحد يستحق دموعك، ولئن استحقها أحد فلن يدعك تذرفها، كما قالها الكاتب الكولومبي غابرييل ماكيز.ألا يستحق قلبك النقي المعطاء كما يُقال:" نستحق محبة كاملة، ودادًا صادقًا غير محتمل، أُلفة نطمئن بجوارها، ونافذة شك مغلقة، وباب يقين مشرَّع، وأرض آمالٍ نحرث ثمارها، ونهايات سعيدة محكمة".
وفي النهاية، للآسف ستبقى طيبتك سر ضعفك وتعاستك إن لم تبتعد عن من يستغلونها، لأنهم لاحقَا سيدمرون نفسيتك كما استنزفوا طاقتك. تذكر أن سلامك النفسي أهم شيء، فطيبتك الزائدة إن لم تقتلك فستكسرقلبك.
اللهم ارزقنا السند الذي لا نخشى الإتكاء عليه، وابعد عنا أذى الخذلان الذي يأتي بعد اطمئنان وثقة .
#شيرين_فكري_عثمان
25/10/2025
