د. اميرة ابو بكر تكتب: من منطق "الخندق" إلى فضاء "التوأم المتسامي"
بقلم د. اميره ابو بكر
إن القراءة المتأنية لمسار العقود الماضية تكشف حقيقة لا يمكن القفز فوقها: لقد دفع الإنسان الإيراني، والدولة الإيرانية، أثماناً باهظة نتيجة سياسة محكومة بـ "التوجس التاريخي" والشك الدائم في النوايا المحيطة والدولية. ورغم أن الدفاع عن السيادة حق مشروع، إلا أن تحول "الحذر" إلى "عزلة" أدى إلى نزيف مستمر في الفرص والموارد.
آن أوان المراجعة الشجاعة: كلفة التوجس: لقد أثبتت التجربة أن الانغلاق خلف ترسانة القوة الخشنة، دون ظهير من القوة الناعمة والتكامل الاقتصادي، قد خلق حالة من "الأمن القلق". إن الخسارات التي تكبدها الاقتصاد الإيراني، وضياع فرص التنمية الكبرى في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا، هي ثمن مباشر لسياسة الصدام وتغليب الهواجس على المصالح. حقيقة الجغرافيا: إن الجيران في الضفة العربية للخليج ليسوا خصوماً أبديين، بل هم "التوأم المتسامي" لإيران. إن محاولة تأمين الداخل الإيراني عبر إثارة القلق في الخارج الإقليمي لم تؤدِّ إلا إلى استدعاء القوى الدولية التي تسعى إيران لإبعادها، مما خلق "مفارقة أمنية" أضرت بالجميع. المصير المشترك: إن استقرار طهران من استقرار الرياض وأبوظبي والمنامة والدوحة. نحن نعيش في "وطن جغرافي واحد"، وأي حريق يشتعل في زاوية من هذا البيت لن ينجو منه أحد. إن سياسة "تصدير القلق" يجب أن تستبدل باستراتيجية "تصدير الاستقرار". المطلوب اليوم: الخروج من "عقلية الحصار": الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الشراكات. إيران القوية هي إيران المتصلة بجيرانها اقتصادياً وثقافياً، وليست إيران المعزولة سياسياً. بناء الثقة كخيار استراتيجي: إن الانفتاح على الجيران ليس علامة ضعف، بل هو قمة القوة والثقة بالنفس. إن استثمار الموارد في "التنمية المشتركة" أجدى وأبقى من استثمارها في "سباقات التسلح" التي لا تنتهي. الإيمان بالتوأمة: قبول حقيقة أن التنوع في المنطقة (الأبيض والأسود) هو مصدر توازن، وأن المصير الواحد يفرض علينا أن نبحر بسفينة الخليج معاً، أو نغرق فرادى.
ختاماً،
إن التاريخ يفتح نافذة اليوم لطي صفحة الخسارات. وصانع القرار الشجاع هو من يدرك أن "سلام الشجعان" يبدأ من الداخل، بالاعتراف بأن الجار هو السند الحقيقي، وأن "التوأم المتسامي" ينتظر يداً ممدودة لتبني مستقبلاً يليق بعظمة هذه المنطقة.
