جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

محمد حسن حمادة يكتب: تجليات الروح في محراب المدينة.

 محمد حسن حمادة يكتب:


تجليات الروح في محراب المدينة.



كانت جدتي، طيب الله ثراها، تروي لي سيرة وجعها القديم بصوت متهدج مبحوح، كأنما يخرج لي من أعماق بئر سحيقة: عن فلذة كبدها الذي نهشته الحمى نهش الذئب للحمل، فحملته بقلب ينتفض بين الضلوع كعصفور مذبوح، ومضت به إلى مستشفى الحميات بالعباسية.


كانت تذكر العباسية لي وكأنها آخر تخوم الأرض القصية التي يزج فيها المحمومون فلا يسمع لهم بعدها رجع ولا صدى، وحتى تمعن في بغضها لتلك البقعة، كانت تهمس لي بمرارة: "كفاية السرايا الصفرا بتاعت المجانين" في إشارة منها إلى مستشفى الأمراض العقلية هناك، كأنما الموت والجنون توأمان سكنا العباسية، أسلم صغيرها "عبد الغني" الروح، فالتصقت العباسية بوجداني برائحة الكافور والموت، وانحفرت في سويداء قلبي كنقش فرعوني غائر، لا تبليه الأيام ولا تمحوه الأعوام، غدت اسما إذا مر على السمع أثقل الروح، ومقبرة وئدت فيها الأمنيات وهي بعد في المهد.


ثم طرقت العباسية باب ذاكرتي ثانية في كتب الإعدادية: هنا دارت رحى "الريدانية" بين صليل سيوف المماليك وأزيز بنادق العثمانيين، وهوت دولة تحت سنابك الخيل، وقامت أخرى على أشلاء الرجال، وشنق "طومان باي" على باب زويلة، فازدادت رهبة الاسم في صدري، كأنها أرض خلقت من دم وحمى ونحيب.


حتى إذا بلغت الثانوي، تجلى لي وجهها الآخر: الخديوي عباس حلمي الثاني، باني صرحها، الذي اشتهاها حيا للأمراء والباشوات، تتيه فيه القصور بالحدائق الغناء، غير أن المحطة التي أوقفتني طويلا هي: خروج كسوة الكعبة المشرفة فيما عرف بموكب المحمل الشريف للحجيج المصري، كان يبيت ليلته الأخيرة في ميدان العباسية، قبل التوجه للأراضي الحجازية". فإذا بالعباسية تصير رمزا للوداع المقدس، وآخر عتبة قبل بيت الله.


ثم شاء القدر أن يخط لي فصلا آخر معها، حين نقلت إلى مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس، هناك في العباسية، مطلا على شموخ قصر الزعفران، صرت أرتادها كل صباح، في البدء كنت ألجها وجسدي يرتجف كريشة في مهب ذاكرة جدتي، لكن رويدا رويدا، انقشع الغيم.


صرت أبصر ما أبصره نجيب محفوظ في عشرينيات القرن الماضي، حين وصفها بأنها "حي الهدوء الشامل والحقول المترامية، حيث عانقت القصور الفاخرة خضرة البساتين". واتخذها هو مسرحا لصباه، ثم وثق تحولاتها في "المرايا" و"قشتمر" حتى "أحلام فترة النقاهة" كمن يرسم زوال عالم بأكمله، فتأثرت به وتبدل انطباعي، وسكنتني العباسية حتى أوحت إلي فكتبتها وأفردت لها فصلا في روايتي "جمل المحمل في شيكاغو". بل كان بطل الرواية الخديوي: "عباس حلمي الثاني" نفسه.


عدت إلى العباسية بعدما فررت منها طفلا مذعورا، وعدت إليها كاتبا مفتونا. والآن صرت من دعاتها ومريديها، لم تعد آخر الدنيا، ولا نذير الموت، ولا ساحة الدم، بل صارت بيتي الثاني الذي آوي إليه، وذاكرتي التي أبتدئ منها، وقبلة حنيني التي أتوجه إليها كلما ضاقت بي السبل.


آه يا جدتي لو أنك تطلين الآن، لأبصرت حفيدك يشق دروبها هائما لا واجفا، عاشقا لا خائفا، عقدت معها معاهدة صلح، فمدت لي يدها وصالحتني، فهناك أماكن كثيرة لا ندرك حقيقتها إلا حين نتعرف عليها، فإذا بها تعيد تربيتنا، وتمنحنا ميلادا جديدا، فالمدن مثل البشر لا تكشف وجهها الحقيقي للغرباء.


وإذا عدت أتتبع خطاي الأولى في ممرات ودهاليز الزمن الغابر، إلى حيث نشأت طفلا في قلب القاهرة، على مقربة من جامع السلطان حسن، هنالك ومنذ سنين خلت، تعلقت أهدابي ببهاء العمارة المملوكية حتى استوطنت روحي، فما عادت تبصر غير جمالها، وكان لجامع السلطان حسن من ذلك التعلق النصيب الأوفى، ذاك الجبل الشامخ المنحوت من نور، والقبة العاتية التي تعانق السماء في كبرياء لا يلين.


هناك.. في 19 درب حلوات، كانت طفولتي تنسج من حجر وخشب مشربية، تربيت في حضن القباب والمآذن، وكانت فسحتي رحلة بين الأزهر والحسين، أتسكع في الغورية، وأتنفس عبق التاريخ في الدرب الأحمر.


مازالت تلك الأزقة الضيقة تسكنني، وما زال صدى الأذان في السلطان حسن يوقظ في ألف حنين، كل حجر هناك يحفظ خطوتي، وكل شباك يروي سرا من أسرار صباي.


كانت هناك، تطل من مشربية قديمة، وجهها كالقمر إذا اكتمل في ليلة قاهرية، مشربية من خشب عتيق أرهقه الزمن، لكنه كان يحفظ أسرار الحارة، ويستر الحنين خلف عيدانه المتشابكة، ويخبئ دفء ابتسامتها وصدى ضحكتها بين ضلوعه.


زرت المكان مؤخرا، تسللت إلى درب حلوات كما كنت أفعل صغيرا، أبحث عن وجهها الملائكي بين ثنايا الخشب، علي أسترجع طفولتي الضائعة، وأستعيد رائحة الياسمين الذي كان يتسلق الجدار.


لكن تغير كل شيء، المشربية التي كانت تهمس بالأسرار صارت "ألوميتالا" وجدارا أصم، الدرب الذي كان يضج بالحياة صمت، وضاق علي حتى كاد يلفظني، الوجوه التي كنت أحفظ ملامحها رحلت، حتى الهواء صار له طعم آخر، طعم الفقد، والحجارة بدت غريبة، كأنها تنكرني، أو كأنني أنا الغريب.


وقفت طويلا أحدق في الفراغ الذي تركته، أما هي فلم ألمح طيفها بعدما أخذت قطعة من عمري لا تسترد.


أدركت أننا لا نبحث عن الأماكن، بل نبحث عن أرواحنا التي تركناها فيها، والوجه الملائكي كان مرآة لبراءتنا، فلما كبرنا انكسرت المرآة، جئت أفتش عن طفولتي في درب حلوات فوجدت كهولتي في دهاليز قاهرة المعز، رددت إليك صباي، فرددتني خائبا.


بعض الوجوه إذا غابت، غابت معها المدن، وبعض الطفولة إذا مضت، لا تستعاد، وإن عدنا إلى الدروب ألف مرة، وبعض الوجوه لا تعود، لأنها لم تكن وجوها، بل كانت أعمارنا.


لم أغادرها.. بل هي التي لم تغادرني، فالأماكن التي تربينا لا تسكن الذاكرة فحسب، بل تسكن الروح، وتصير هي الوطن الأول، والملاذ الأخير.


مازال السلطان حسن شامخا في كبريائه، قائما لا يلين، لكن قلبي هو الذي انحنى وأنا الذي انهدم، مازلت أحن لدرب حلوات ومازال السلطان حسن قبلتي، فبعض العشق لا يشفى منه المرء، خاصة إذا كان مملوكيا.


بعد طنان التي أنجبتني، وتشكلت فيها ملامح النشأة ونبض الجذور، وبعد القاهرة المملوكية التي أسرتني، والعباسية التي عملت بها، شاء القدر أن أقع أسيرا في غرام القاهرة الخديوية، الوجه الباريسي فوق أرض النيل. هنالك أفتح فصلا جديدا من سيرة روحي، مستوحى من شرفاتها الأنيقة العالية، ومن حكايات النور والظل التي لا تنام في وسط البلد.


في البدء، كنت أهابها، كنت أدخل وسط البلد كما يدخل الأعرابي بيت الأمير، أخفض صوتي، وأتلمس خطواتي، وأخاف أن يفضحني غبار طنان العالق في حذائي، كانت العمارات تشمخ فوقي كجبال من حجر، والشرفات المطلة تطل علي كعيون تراقب الغريب، شارع "عماد الدين" كان يبرق تحت الشمس كسيف مسلول، و"طلعت حرب" يموج بالبشر كأنه نهر لا يهدأ.


هنا.. لم تكن الحمى هي التي تنهش، بل الوحشة، وحشة الفلاح الذي نزل المدينة فجأة، فصار نقطة في بحر من الوجوه التي لا تعرفه، كنت أبحث عن نخلة طنان في "ميدان التحرير"، عن ترعة القرية في "النيل" عن أذان قريتي الهادئ في "جامع الفتح".. فلا أجد إلا ضجيجا له أنياب.


رويدا رويدا خلعت القاهرة الخديوية قناعها الصارم، وأرتني وجهها الآخر: وجه الحلم الذي حلم به الخديوي إسماعيل حين أرادها باريس الشرق.  


صرت أبصر ميدان الأوبرا لا كحجر بارد، بل كمسرح احترق ثم بعث من رماده، فأمر "بجروبي" فأشم فيه رائحة زمن كان الناس يلبسون فيه الطرابيش ويتحدثون بالفرنسية، صرت أقف أمام عمارات القاهرة الخديوية فلا أرى جدرانا صماء، بل أرى شخوصا تصعد وتهبط على درجاتها الخشبية، كأن التاريخ يسكن هناك بالإيجار القديم.


هناك، حيث صدى الأوبرا والقصور ما زال يتردد، غنت القاهرة لملوك العالم، ووقفت شرفاتها شاهدة على ليال لا تشيخ.


في طنان تعلمت أن للأرض قلبا ينبض تحت قدميك وفي القاهرة الخديوية تعلمت كيف تخلد الجدران تفاصيل العمر؟ وأن للجمال وطنا، اسمه وسط البلد.


هنا دارت معركة أخرى لا بالسيوف ولا بالبنادق، معركة بيني وبين نفسي، بين الفلاح الذي كنته، والكاتب الذي أريد أن أكونه، بين خوفي أن تبلعني المدينة، ورغبتي في أن أبتلعها أنا.


فكتبتها، كتبت عن "مقهى ريش" كأنه ديوان القرية، و"ممر بهلر" كأنه زقاق طنان، صارت القاهرة الخديوية هي "شيكاغو" التي في روايتي، مدينة المنفى والخلاص معا.


الآن صرت من دعاتها ومريديها، لم تعد غابة الأسمنت التي تخيفني، بل صارت كتابي المفتوح الذي أقرأ فيه كل صباح، صارت المقهى الذي أكتب فيه، وقهوتي الصباحية التي أرتشفها بسعادة والرصيف الذي أتمشى عليه، والشرفة التي أطل منها على قرن كامل من أحلام المصريين، فإن كانت طنان هي المهد والميلاد، أخذت منها الأصل والجذور، فقاهرتي الخديوية هي القصيدة التي شربت منها اللغة على مقهى "ريش" ومن هذه القصيدة خرجتُ إلى الناس.


صرت أمشي في شوارعها كمن يمشي في بيت قديم عرف كل ركن فيه، أعرف متى يصمت "ميدان عابدين" في القيلولة، ومتى يضج "شارع محمد علي" بالطبل والعود والموسيقى مع المساء. صارت الحكايات تسقط عليّ من الشرفات كما يسقط التوت في طنان، فألتقطها وأعيد نسجها حبرا.


علمتني القاهرة الخديوية: أن المدينة لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالصبر". أنها لا تعطي سرها لمن دخلها متعجلا، بل لمن جلس على رصيفها طويلا، يستمع إلى صمتها قبل ضجيجها، فوجدتُ في صمتها حكمة الفلاح، وفي ضجيجها حماسة الكاتب.


والآن، إذا سألوني: أين وطنك؟  

قلتُ: وطني وطنان، وطن ولدت فيه فصار دمي، ووطن ولدت فيه ثانية فصار لغتي.  


علمتني طنان كيف أقف على الأرض، والقاهرة الخديوية علمتني كيف أرفع رأسي إلى السماء.


ولست أخشى أن تنسيني المدينة قريتي، ولا أن تنسيني القرية المدينة، فإن اشتقت إلى النخلة عدت إلى الذاكرة، وإن اشتقت إلى العمارة رفعت عيني إلى عمارة "عمر أفندي" بميدان العتبة، تلك العمارة التي يميزها تصميمها الفريد، وقبتها النحاسية النادرة التي تعلوها كرة أرضية، فإذا وقفت أمامها خُيل إلي أن العالم كله بين يدي.


وهكذا صرت رجلا بين ضفتين:  ضفة من طين وترعة ونداءٍ للفجر، وضفة من حجر وكتب وقهوة لا تبرد.


وبين الضفتين، جسر من كلمات أعبر عليه كل يوم، أذهب إلى طنان لأتذكر من أكون، وأعود إلى القاهرة لأعرف إلى أين أمضي.


فإن سألتني عن الحصاد، قلتُ لك: لم أعد أعرف أيّهما أحن إليه أكثر، أحن إلى طنان فأعود إليها في منامي، وأحن إلى القاهرة فأستيقظ على صوتها في دمي، صرت رجلا يسكب نصف قلبه في ترعة القرية والنصف الآخر يتركه معلقا على عمود إنارة في شارع قصر النيل.


أنا المعركة التي لم تنتهِ بعد.  

كلما مال قلبي إلى طنان، شدتني القاهرة من ياقتي، وكلما استسلمت للقاهرة، ناداني أذان الفجر من مئذنة الجامع الكبير بالقرية، أعيش على الحافة، بين أن أكون ابن الأرض،  

وبين أن أصير ابن الحبر، لم ينته الأمر بعد فطنان زرعتني، والقاهرة سقتني، والآن جاء دوري لأزرع في المدينة شيئا من القرية،  وأزرع في القرية شيئا من المدينة.  

فإن مت، فليكتبوا على قبري: "هنا رجل كان له وطنان، فلم يخن أحدهما".

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022