جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

الزهوانية .. أنتم لا تكرهونها، أنتم تكرهون ما تكشفه فيكم


بقلم الكاتب: أعراب خالد - الدولة: الجزائر

 دعونا نكون صادقين، ليس قليلا بل حد الإزعاج. أنتم لا تكرهون الزهوانية، أنتم تخافون منها. تخافون لأنها تقول بصوت مرتفع ما تعيشونه أنتم بصمت. لو كنتم تكرهونها فعلًا، لما حفظتم كلماتها عن ظهر قلب، لما اشتغلت أغانيها في سياراتكم، ولما رقصتم عليها في أعراسكم، ولما عادت إليكم في لحظات الوحدة. أنتم لا تكرهونها، أنتم تكرهون تلك اللحظة التي تنتهي فيها الأغنية وتبدأ المواجهة مع أنفسكم. الزهوانية لا تغني حبا نظيفا كما تحبون أن تتخيلوه، بل تغني الحب كما هو في الليل، مرتبك، جريء، مؤلم، وأحيانا فاضح. في أغنية " L'Amour Forcé" لا يوجد حب رومانسي، بل علاقة جنس مفروضة تكشف هشاشة الإنسان. وفي أغنية "Hbibi Lila Matafrach"  هناك توعد للحبيب من انتظار ثقيل ينهك الروح.  أما عن "Male H'bibi Malah" يتحول الحبيب إلى مرآة تكشف الخيبة. هي لا تغني قصص حب لتُرضيكم، بل لتعرّيكم. جرأتها ليست في الكلمات بل في الصدق الذي لا يترك لكم مكانا للاختباء. أنتم تريدون حبًا نظيفا، كلمات مهذبة، مشاعر مرتبة، أغاني تُشبه الصورة التي تعرضونها أمام الناس. لكنها تأتي لتكسر هذا التمثيل كله. تقول لكم إن الحب ليس مثاليا، وإن الإنسان ليس كما يدعي، وإن ما تخفونه هو الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن تقال. ولهذا تهاجمونها. ليس لأنها تجاوزت الحدود، بل لأنها اقتربت منكم أكثر مما يجب. نحن نعيش انفصاما واضحا, نستهلك ما يفضحنا، ثم نهاجمه. نردد الأغاني نفسها التي نخجل منا، ونصفق لها في الخفاء، ثم نلعنها في العلن. 

مرة، في مقهى مع أصدقاء، كانت أغنية لها تدوي المكان. كنا نضحك، ثم فجأة ساد السكوت. لم يقل أحد شيئا، لكن كل واحد كان هناك داخل نفسه. كأن الأغنية لم تكن صوتا، بقدر ماهو اعترافا جماعيا لا نملك الشجاعة لنقوله كلنا. بعد دقائق، عاد كل شيء عاديا، وكأننا اتفقنا على الهروب. الزهوانية ليست ظاهرة، هي مرآة. وصوتها ليس مجرد غناء، بل انكشاف للواقع الحقيقي. 

المشكلة ليست فيها، بل فينا نحن. في ذلك الإنسان الذي يخاف أن يُفضح، الذي يدّعي المعرفة وهو يسرق أفكار غيره، الذي يتحدث عن القيم وهو أول من يخونها، الذي يرفع شعارات الأخلاق علنا ويكسرها سرا. كلهم يكرهون أي صوت يذكرهم بحقيقتهم. 

الزهوانية تفعل ذلك بالضبط. تضعك أمام نفسك دون إذن، دون تلطيف، دون مجاملة. جمهورها الكبير لم يكبر صدفة. الناس لا تجتمع حول صوت فارغ، بل حول إحساس ألم صادق. يرون فيها ما لا يجرؤون على قوله. نحن نحب الفن حين يلهينا، يرقصنا يطربنا، ونرفضه حين يفضحنا. 

الزهوانية لا تفصل بين الفرح والحزن لأنها  بنت الليل، تعرف أن الإنسان ليس نغمة بل كومة مشاعر. تضحك وتبكي في الوقت نفسه، تغني الفرح وتحمل داخله وجعا، وهذا هو الإنسان الحقيقي، لا النسخة التي نعرضها أمام الآخرين. ولهذا تبقى، ليس لأنها الأفضل صوتا، بل لأنها الأخطر صدقا. هي لا تحتاج أن تدافع عن نفسها، لأن معركتها ليست معكم أصلا. معركتها مع ذلك الصمت الذي تعيشونه، مع تلك الحقيقة التي ترفضون الاعتراف بها. وأنتم نعم أنتم لا تكرهون الزهوانية، أنتم تكرهون من قال عنكم الحقيقة بصوت مرتفع.

التالي
هذا هو أحدث مقال.
السابق
رسالة أقدم

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022