لو عاش غراهام غرين بيننا لما كتب عن الجواسيس
بقلم الكاتب: أعراب خالد - الدولة: الجزائر
في الماضي كان الجاسوس يختبئ خلف باب، يراقب رجلا من بعيد، ويسجل تحركاته في ورقة صغيرة. كان يحتاج إلى الحذر، وإلى اسم مستعار، وإلى سيارة لا يعرفها أحد. اليوم لا يحتاج إلى كل هذا. يكفي أن يفتح هاتفه. نحن نخبره أين نحن، ومع من، وماذا نأكل، وماذا نشتري، وأين سافرنا، ومتى عدنا إلى البيت. نصور أبناءنا، وبيوتنا، وأصدقاءنا، وحتى لحظات ضعفنا. ثم نتساءل بكل براءة من أين عرف الآخرون كل شيء عنا.
لو عاش غراهام غرين بيننا، ربما ضحك من فكرة الجاسوس التقليدي. فالجاسوس اليوم لا يختبئ خلف الستار. قد يكون أمامك في قائمة الأصدقاء، أو خلف حساب بلا صورة، أو شخصا لا تعرفه يراقبك كل يوم دون أن يترك أثرا واضحا.
لكن الأخطر من ذلك أن الإنسان أصبح يتجسس على نفسه. وهنا تكمن قيمة عالم غراهام غرين. عندما نقرأ رواياته لا نجد أبطالا خارقين كما في أفلام التجسس. نجد بشرا يخافون ويكذبون ويترددون ويخطئون. شخصيات تريد أن تعيش، لكنها تجد نفسها داخل عالم تحكمه المصالح والشكوك والخيانة. وهذا العالم لم ينته. تغيرت الأدوات فقط.
في زمن غرين كانت الرسالة السرية تخبأ في مكان ما. اليوم يمكن أن تكون الرسالة في هاتف طفل. كانت الصورة تحتاج إلى كاميرا، واليوم يحملها كل واحد منا في جيبه. كانت المعلومة تحتاج إلى رجل يلاحقك، واليوم يمكن أن يحصل عليها الآخرون منك وأنت تبتسم أمام الكاميرا.
المشكلة أننا لم نعد نشعر بأننا نكشف أسرارنا. لقد أصبح الأمر عاديا. في الجزائر كما في كثير من المجتمعات العربية، أصبح الهاتف حاضرا في كل شيء. في الأعراس، في المقاهي، في العائلة، في العمل، وحتى في الخلافات. أحيانا تقع مشكلة بين شخصين، فيكون أول تصرف هو تصويرها أو تسجيلها أو إرسالها إلى الآخرين.
وكأننا لم نعد نثق بذاكرتنا. نحتاج إلى الهاتف كي يثبت أننا كنا هناك، وأننا قلنا هذا الكلام، وأن فلانا قال ذلك الكلام. وهنا يتحول الهاتف من وسيلة للتواصل إلى شاهد دائم على حياتنا.
لكن هناك جانبا آخر أكثر إزعاجا. نحن لا نستخدم الهاتف لمراقبة الآخرين فقط، بل نستخدمه لمراقبة أنفسنا أيضا. ننظر إلى عدد الإعجابات، ومن شاهد القصة، ومن لم يتفاعل، ومن هنأنا، ومن تجاهلنا. قد ينجح الإنسان في حياته، لكنه لا يشعر بالنجاح حتى يراه الآخرون.
وقد يمر بأزمة، لكنه يخفيها خلف صورة جميلة. وقد يكون حزينا، ثم يكتب للناس أنه يعيش أجمل أيامه. وأحيانا ينشر الإنسان حياته لا لأنه سعيد، وإنما لأنه يريد أن يثبت شيئا لشخص آخر. يريد أن يقول لمن راهن على فشله: أنا بخير. ولمن حسده: لقد نجحت. ولمن تركه: لم أحتج إليك. ولمن ألمه: انظر ماذا أصبحت.
وهنا يصبح النشر نوعا آخر من الصراع. لا نعيش حياتنا دائما من أجل أنفسنا، بل نعيش جزءا منها من أجل أعين الآخرين.
غراهام غرين كان يعرف أن الإنسان يمكن أن يعيش خلف قناع. لكنه ربما لم يتخيل أن يأتي يوم يستطيع فيه الإنسان أن يصنع لنفسه آلاف الأقنعة في دقائق. حساب جميل. صور منتقاة. كلمات محسوبة. ابتسامة جاهزة. وحياة أخرى لا يراها أحد.
لهذا فإن قراءة غرين اليوم لا تجعلني أفكر في الجواسيس بقدر ما تجعلني أفكر في الإنسان. ماذا بقي من حياتنا إذا كنا نحتاج إلى جمهور كي نشعر بأننا نعيش؟ وماذا بقي من خصوصيتنا إذا كنا نحن من يفتح الأبواب للغرباء؟
ربما لم يتغير العالم كما نعتقد. نحن فقط غيرنا شكل التجسس. كان الجاسوس قديما يبحث عن سر تخفيه. أما اليوم فنحن نعطيه السر، والصورة، والمكان، والاسم، والعائلة، ثم نطلب منه أن يتركنا وشأننا.
وهذه ربما تكون أكثر مفارقات عصرنا سخرية.
لو عاش غراهام غرين بيننا، ربما لم يكن سيكتب عن رجل يطارد جاسوسا في شارع مظلم. كان سيكتب عن رجل يجلس وحده في غرفته، يمسك هاتفه، وينشر حياته للعالم كله. ثم يغلق الهاتف ويبدأ في الخوف من أن يعرف الناس عنه أكثر مما ينبغي.
ذلك الرجل لن يكون بحاجة إلى جاسوس. سيكون هو جاسوس نفسه ..
