بين الأدب والرياضيات
بقلم الكاتب أعراب خالد - الدولة الجزائر
الرياضيات لا تكذب، إذا أخطأت في الحساب، كشفتك النتيجة. أما الأدب فبإمكانه الدخول إلى الأماكن التي تعجز الأرقام عن الوصول إليها. يسألك عن الخوف، الألم، الحب، الخيانة، الندم، والوحدة، وأشياء لا يمكن وضعها في معادلة، لكنها قادرة على تغيير حياة إنسان كاملة.
تعلمنا في الرياضيات أن واحد زائد واحد يساوي اثنين. أما في الحياة، فقد يكون واحد زائد واحد عائلة، وقد يكون صراعا، وقد يكون وجعا وألما، وقد لا يساوي شيئا إذا غابت الرغبة في البقاء.
كلاهما يحاول فهم هذا العالم الغريب المليء بالتناقضات، لكن كل واحد منهما له طريقته. الرياضيات تعتمد على الأرقام، والأدب يعتمد على الإنسان. الأرقام تحسب ما نملك، أما الأدب فيحاول أن يفهم ما نخفيه بداخلنا.
أتذكر أستاذ الرياضيات السوري حيدر، كان يدهشني رغم أنه كان يدرس لنا الرياضيات، وكان قريبا في أسلوبه من مدرسي اللغة العربية. لم يكن يتعامل مع الرياضيات على أنها أرقام ومسائل، بل كان يجعلني أشعر أن وراء كل مسألة طريقة في التفكير، وأن وراء كل نتيجة طريقا يجب أن نفهمه قبل أن نصل إليه.
ربما لهذا بقي اسمه في ذاكرتي. فقد جعلني أرى الرياضيات بطريقة مختلفة، وأدركت أن الأستاذ لا يعلّم المادة التي يدرّسها، بل يترك شيئا من شخصيته في طلابه. قد تنسى بعض القواعد والمسائل بعد سنوات، لكنك لا تنسى معلما جعلك تحب ما كان يدرسه لك.
ومن هنا أفهم العلاقة بين الرياضيات والأدب أكثر. الرياضيات تعلّم العقل كيف يرتب أفكاره، والأدب يعلّم الإنسان كيف ينظر إلى ما حوله وما بداخله. وعندما يجتمع التفكير مع الإحساس، تصبح المعرفة أوسع من مجرد درس ينتهي بانتهاء الحصة.
الأرقام تحسب ما نملك، أما الأدب فيكشف ما نخفيه بداخلنا.
داخلنا المتعفن.
الأشياء التي لا نقولها لأحد، والمواقف التي ما زالت عالقة في رؤوسنا، والندم الذي ندفنه ونكمل حياتنا كأن شيئا لم يحدث. أحيانا يكون الإنسان أمامك يضحك ويتكلم بشكل عادي، لكنك لا تعرف ماذا يدور في داخله فعلا.
هنا يصل الأدب إلى مكان لا تصل إليه الأرقام.
في الرياضيات، إذا كان السؤال واضحا، فالجواب واضح. أما في الحياة، فليس دائما عندنا جواب. قد تعرف أنك مخطئ ولا تستطيع الاعتذار، وقد تعرف أن العلاقة انتهت ولا تستطيع الرحيل، وقد تحب شخصا وتعرف في الوقت نفسه أنه ليس مناسبا لك.
هذه الأشياء لا تدخل في الحساب.
نحن نعرف عمر الإنسان، ونعرف أين يعمل وكم يملك، لكننا لا نعرف كم مرة أخفى تعبه، ولا كم مرة قال أنا بخير وهو ليس كذلك.
وهذا ما يجعل الأدب قريبا من الإنسان. أحيانا نقرأ قصة أو جملة ونقول هذا الكلام يشبهني. ليس لأن الكاتب يعرفنا، ولكن لأن هناك أشياء كثيرة نشعر بها ولا نعرف كيف نعبر عنها.
حتى الكلمة لها أثرها. كلمة طيبة قد ترفع شخصا، وكلمة قاسية قد تبقى معه سنوات. وكما يغير رقم واحد نتيجة الحساب، قد تغير كلمة واحدة علاقة كاملة.
ومع ذلك، لا أرى أن الأدب والرياضيات ضد بعضهما. نحن نحتاج الرياضيات لنفهم الأشياء ونرتبها، ونحتاج الأدب حتى نفهم الإنسان الذي يعيش وسط هذه الأشياء.
الرياضيات تساعدنا على فهم ما يحدث حولنا، والأدب يساعدنا على فهم ما يحدث داخلنا.
وربما لهذا نحتاج الاثنين. نحتاج العقل الذي يحسب، والإنسان الذي يشعر.
فالإنسان ليس معادلة لها جواب واحد، ولا رقما يمكن اختصاره في خانة. هو كل ما عاشه، وكل ما فقده، وكل ما أخفاه عن الآخرين.
وهذه هي المسألة التي سيظل الإنسان يحاول حلها طوال حياته، مسألة نفسه
