حين يكتب الرخامُ سيرةَ اليُتم محمد كنعان في «جسد من رخام يتيم»؛ من بلاغة الجسد إلى فلسفة الجرح
بقلم الدكتورة سحر الحسيني
رخامٌ يحمل قلبًا لا يعرف البرودة
بعض العناوين لا تُقرأ من خارج القصيدة؛ لأنها تحمل في داخلها بذرة العالم الذي سيكشفه النص لاحقًا. وعنوان محمد كنعان «جسد من رخام يتيم» من هذه العناوين التي تستوقف اللغة قبل أن تستوقف القارئ؛ ففي كلمتين متباعدتين في طبيعتهما، «الرخام» و«اليُتم»، تتولد مفارقة تستحق التأمل: مادةٌ توحي بالصلابة والدوام، وحالةٌ إنسانية لا تستقر إلا في موضع الفقد.
الرخام ذاكرةٌ صلبة؛ نحت الإنسان فيه ملامح من أحب، وأقام عليه شواهد من رحلوا، وأودع فيه رغبته القديمة في مقاومة الزوال. لكنه، مهما بلغ من الصلابة، لا يملك أن يستعيد الروح التي غادرت الجسد. ومن هنا تأتي دلالة اليُتم ملتصقةً به على نحوٍ يبدل صورته المألوفة؛ فالحجر الذي يبدو قادرًا على البقاء يحمل في هيئته غيابًا لا يبرأ.
أيكون الجسد قد تحجّر من فرط ما احتمل؟ أم أن الرخام هو الذي اكتسب هشاشة الإنسان حين أُسند إليه أن يحفظ ما لا تستطيع الذاكرة وحدها الاحتفاظ به؟
من هذه العتبة يدخل القارئ إلى القصيدة، لا بوصفها حكايةً عن جسدٍ موجوع فحسب، وإنما بوصفها مساءلةً لما يفعله الزمن بالكائن حين يترك فيه أثره، ثم يمضي. وهنا تكمن إحدى مزايا العنوان: أنه لا يشرح المأساة، وإنما يصنع لها هيئةً مرئية، ويترك المفارقة مفتوحةً على احتمالاتها.
في الكتابة الشعرية التي تراهن على الصورة، لا تكون الاستعارة اكتشافًا مكتملًا في لحظة نطقها؛ إنها بداية اكتشاف آخر. وهذا ما يمنح «جسد من رخام يتيم» طاقته الأولى: عنوانٌ لا يكتفي بتسمية موضوع القصيدة، بل يضعنا داخل تناقضها المركزي، بين ما يبدو عصيًّا على الانكسار وما يحمل في أعماقه أعمق أسباب الانكسار.
«الولد المريض بحرفه»؛ حين يصبح الإبداعُ موضعَ الوجع
يقول محمد كنعان:
«وحدي ومن لغة الرخام
خرجت أحكي قصة الولد المريض بحرفه».
هنا تبلغ الصورة الشعرية واحدةً من مناطقها الأشد خصوصية. فالولد مريض بحرفه؛ لا يمرض من العالم وحده، وإنما من الوسيلة التي يحاول بها فهم العالم، وتسميته، وإخراجه من عتمته إلى الضوء.
هذه ليست استعارةً عن الحزن بالمعنى المعتاد؛ إنها نقلٌ للمرض من الجسد إلى اللغة، وإعادةٌ لتعريف العلاقة بين الشاعر وما يكتب. الحرف الذي يُفترض أن يكون أداةً للبوح يصبح موضعًا للوجع، والكتابة التي تمنح الإنسان قدرةً على التعبير تضعه في مواجهة ما لم يكن قادرًا على احتماله قبل أن يمنحه اسمًا.
ولعل المفارقة الأعمق أن المرض هنا لا ينشأ من العجز عن القول، وإنما من امتلاك القدرة عليه. فهناك آلامٌ يستطيع الإنسان أن يعيشها ما دامت غائمة، لكن اللغة حين تضيئها تجعلها محددة الملامح، قابلةً للاستعادة، عصيةً على الإنكار. إن تسمية الجرح لا تنهيه؛ وقد تكون أول لحظةٍ يدرك فيها صاحبه مقدار ما يسكنه.
أما «لغة الرخام»، فهي صورة تستحق الوقوف عندها طويلًا. كيف تكون للرخام لغة؟ وما الذي يستطيع الصمت أن يقوله حين يستحيل مادةً؟
إن الشاعر يستخرج الكلام من نقيضه، ويجعل الصلابة منبعًا للحكاية. الرخام، الذي اعتدنا أن نراه شاهدًا صامتًا على ما مضى، يصبح هنا أصلًا للقول. وكأن الحكاية لم تولد من فراغ، وإنما كانت كامنةً في الحجر، تنتظر من يصغي إليها.
وفي عبارة «خرجت أحكي» حركةٌ دلالية تستحق الانتباه؛ فالخروج فعل انتقال من حيزٍ إلى آخر، من الداخل إلى الخارج، من الصمت إلى الرواية. لكن الشاعر لا يقول إنه خرج من الرخام وحده، وإنما من لغته؛ أي إنه خرج من نظامٍ كامل من الصمت، من ذاكرةٍ صلبة لم تجد سبيلها إلى الكلام إلا عبره.
هنا تتحدد ملامح الشاعر في القصيدة: ليس ناقلًا لحكاية الولد، وإنما وسيطًا بين الصمت وما يختبئ خلفه. وربما لهذا يبدو المرض متصلًا بالحرف؛ لأن من يختار أن يمنح المسكوت عنه صوتًا، يحمل في داخله بعضًا مما يرويه.
إنها صورة ترفع الكتابة من مرتبة التعبير إلى مرتبة المصير. فالشاعر لا يكتب لأنه يملك ما يقوله فحسب؛ إنه يكتب لأن ما لا يُقال يظل حيًّا فيه، ولأن الحرف، على الرغم من وجعه، هو الطريق الذي يستطيع أن يعبر منه إلى الآخرين.
البنفسج وقلق الطريق؛ رهافةٌ لا تستسلم
في انتقال القصيدة إلى البنفسج والارتقاء وقلق الطريق، نلمح جمالًا لا يطلب لنفسه عزلةً عن الألم. فالبنفسج، بما يختزنه من رهافة، يدخل فضاءً مضطربًا، ويظل محتفظًا بطبيعته من دون أن يتوهم أن الجمال قادرٌ وحده على تغيير الطريق.
إن وضع الزهرة في مواجهة القلق يخلق توازنًا شعريًا بين ما يرقّ في الإنسان وما يقسو حوله. فالطريق ليس خلفيةً محايدة، والارتقاء لا يعني أن الكائن قد تجاوز محنته؛ قد يكون صعوده نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، وقد يكون الجمال ما يتشبث به كي لا تتحول روحه إلى نسخةٍ من العالم الذي يؤذيه.
ولعل أجمل ما في هذه المنطقة من النص أنها تتيح لنا رؤية الرهافة بوصفها قدرةً على البقاء، لا علامةً على الضعف. فالزهرة لا تنتصر على الطريق بإلغائه، وإنما تحتفظ بوجودها على الرغم منه.
ومن هنا يمكن قراءة البنفسج باعتباره قرينًا للولد؛ كلاهما يحمل قابليةً للانكسار، وكلاهما يواجه مسارًا لا يضمن له السلامة. غير أن الرهافة، في هذا السياق، ليست عجزًا عن المواجهة، وإنما طريقةٌ مختلفة في احتمال العالم.
وتلك إحدى المفارقات التي تمنح الصورة بعدها الفلسفي: أن يكون الإنسان هشًّا لا يعني أن وجوده أقل مقاومة، وأن يتألم لا يعني أن ما فيه من جمال قد انتهى.
البلاد التي لا تغادر الجسد
حين تتصل صور الموت بطعم البلاد وخارطة الوصول، تتسع القصيدة من التجربة الفردية إلى سؤال المكان والاقتلاع. فالوطن لا يعود مساحةً يمكن تحديدها على الورق، وإنما ذاكرةٌ تسكن الحواس، وتبقى فاعلةً في الإنسان حتى حين تفصله عنها المسافات.
إن البلاد التي تستقر في الطعم ليست البلاد التي نعرفها من الخرائط؛ إنها البلاد التي نعرفها من الخبز، ومن رائحة البيوت، ومن وجوه الذين تركناهم خلفنا، ومن التفاصيل التي لم نكن ندرك قيمتها إلا حين أصبحت بعيدة. لهذا لا يكون الوصول جغرافيًا فحسب؛ إنه محاولةٌ لاستعادة علاقةٍ بين الإنسان والعالم، علاقةٍ تبدلت حين صار المكان مهددًا بالغياب.
وتكتسب هذه الصور خصوصيتها في تجربة الشاعر الفلسطيني؛ إذ لا ينفصل سؤال الوطن عن سؤال الجسد الذي يحمل أثره. فالمكان المفقود لا يبقى خارج الإنسان، وإنما ينتقل إلى داخله، ويصبح جزءًا من تكوين ذاكرته، ومن الطريقة التي يرى بها حاضره ومستقبله.
لكن قوة الإيحاء الوطني هنا تكمن في أنه لا يحتاج إلى إغلاق المعنى على قراءةٍ واحدة. فالقصيدة تتيح لنا أن نقرأ الوطن في ضوء التجربة الفلسطينية، وأن نرى في الوقت نفسه مأزق الإنسان الذي يُحرم من المكان الذي يمنح حياته استمراريتها. خصوصية التجربة لا تمنع امتدادها الإنساني؛ بل تمنحه جذرًا يمكن للقارئ أن يتعرف إليه.
أما مجاورة الموت لطعم البلاد، فتضعنا أمام مفارقة موجعة: ما يمنح الإنسان شعورًا بالحياة قد يصبح أكثر الأشياء إيلامًا حين يتعذر بلوغه. إن الذاكرة تحفظ الوطن، لكنها لا تعوّضه؛ وكلما ازداد حضوره في الداخل، ازدادت المسافة بينه وبين الجسد الذي يحمله.
وهنا لا يعود الحنين شعورًا عابرًا، بل يصبح شكلًا من أشكال الإقامة في مكانين: مكانٍ يعيشه الإنسان، ومكانٍ يظل يعيش فيه.
الزمن الذي يدور في اليد ويعزف
من الصور التي تستحق التأمل في هذا النص صورة الزمن حين يدور في اليد ويعزف. فالزمن، الذي اعتدنا أن نتخيله خطًّا يمضي من الماضي إلى المستقبل، يتحول إلى حركةٍ داخل حيز الجسد، وإلى نغمةٍ يمكن أن يُحسّ أثرها وإن تعذّر الإمساك بها.
اليد موضع الفعل واللمس، وهي كذلك موضع ما نلتقطه وما يفلت منا. وحين يدور الزمن فيها، يصبح الإنسان كأنه يحمل تعاقب أيامه في كفّه، يراقبها وهي تتحرك، ويكتشف أنه لا يملك إيقافها أو استعادة ما انقضى منها كاملًا.
ثم تأتي الموسيقى لتمنح الزمن صوتًا. ليست الأيام متشابهةً في الذاكرة؛ فلكل تجربة نبرتها، ولكل خسارة إيقاعها، وقد يظل صوتٌ قديم في داخلنا أطول مما بقي صاحبه في حياتنا.
تجمع الصورة بين اللمس والسمع، وتحوّل مفهومًا مجردًا إلى تجربة حسية. وهذا التداخل ليس مجرد زينة بلاغية؛ إنه يقرّب الزمن من الإنسان، ويجعله جزءًا من خبرته المعيشة. فالزمن الذي يهمنا حقًا ليس ما تقيسه الساعات، وإنما ما يتركه مرورها فينا.
وبهذا المعنى، تتصل الصورة ببقية عالم القصيدة: الجسد الذي يحتفظ بالجرح، واللغة التي تستعيده، والبلاد التي تبقى في الحواس. الزمن هو ما يجمع هذه الآثار، ويجعلها تتراكم في كائنٍ واحد، حتى يصبح الإنسان أشبه بذاكرةٍ تمشي.
السيدة والعطر؛ ما الذي يبقى حين يغيب الحضور؟
في المشاهد التي تحضر فيها السيدة وعطرها ونزفها، ثم السرير والصمت والموسيقى والحزن اللذيذ، تنتقل القصيدة إلى منطقةٍ أكثر حميمية، تتداخل فيها الرغبة مع الفقد، ويصبح الأثر أحيانًا أبلغ من الحضور نفسه.
العطر من أكثر العناصر قدرةً على استدعاء الغائب؛ لأنه لا يقدم صورةً كاملة، وإنما يترك علامةً تتولى الذاكرة استكمالها. قد تمر رائحةٌ عابرة، فتفتح بابًا إلى زمنٍ بعيد، وتستعيد ملامحَ ظننا أنها انطفأت. هكذا يصبح العطر لغةً أخرى للغياب، لغةً لا تحتاج إلى جملة كي تقول إن شيئًا ما كان هنا.
أما السرير الذي يمتلئ بالصمت، فيحمل مفارقةً من نوع آخر. إنه مكانٌ يرتبط بالراحة والقرب، لكنه يتحول إلى حيزٍ يتسع لما تعذر قوله. فالصمت لا يبدو فراغًا، وإنما امتلاءً بمشاعر لم تجد طريقها إلى الكلام، أو بكلمات فقدت قدرتها على تغيير ما حدث.
وتأتي صورة «الحزن اللذيذ» لتكشف تعقيد التجربة الإنسانية. كيف يكون الحزن لذيذًا؟ في هذه المفارقة يتجاور الألم مع الألفة؛ فقد يصبح الحزن آخر ما يصل الإنسان بما فقد، وقد يتشبث المرء بوجعه لأنه لا يريد أن يفقد، إلى جانب الشخص أو المكان، أثره الأخير أيضًا.
ليست اللذة هنا نقيضًا للحزن، وإنما وجهٌ خفي من وجوه التعلق. إن بعض الذكريات توجعنا لأنها عزيزة، لا لأننا نريد التخلص منها. وقد يكون الألم الذي نحمله أصدق من راحةٍ لا نعرف كيف نطمئن إليها.
بهذا التداخل تتجاوز السيدة وظيفتها داخل المشهد؛ فالعطر والسرير والصمت لا يرسمون حضورًا عاطفيًا فحسب، وإنما يضيئون طبيعة الذاكرة حين تصبح الحواس مستودعًا لما تعجز النفس عن الاحتفاظ به في صورةٍ واضحة.
من الخصر المجروح تولد الذاكرة
حين يتصل الخصر المجروح بتناسل الإخوة، ثم تتوالى صور التقاسم والمبادلة والفاتحين والقطف والسلال وبكاء الأرض، تدخل القصيدة منطقةً يلتقي فيها الجسد بالتاريخ على نحوٍ بالغ الدلالة.
الخصر موضعٌ تتصل به الحياة والولادة والاستمرار؛ وحين يحضر مجروحًا، يصبح الجرح جزءًا من الصورة التي يخرج منها الامتداد الإنساني. كأن الأجيال لا تبدأ من نقطةٍ بيضاء، وإنما تدخل العالم محمّلةً بآثار ما سبقها.
هنا تكتسب الصورة عمقها من اجتماع معنيين متعارضين: الولادة، بما تمثله من بداية، والجرح، بما يحمله من أثرٍ سابق. فالإنسان يأتي إلى العالم جديدًا في عمره، لكنه لا يأتي بالضرورة جديدًا في تاريخه. هناك ذاكرةٌ تسبقه، ووقائع لم يشهدها، ومع ذلك تتسلل إلى علاقته بالأرض والآخرين وإلى تصوره للمستقبل.
ثم تدخل مفردات التقاسم والقطف والسلال لتضع الأرض في مواجهة لغة الامتلاك. وما يلفت في هذا التتابع أن الأرض لا تبقى مساحةً صامتةً تتنازعها القوى، وإنما تتحول إلى كائنٍ يبكي. إنها استعارة تعيد إليها صوتها، وتخرجها من وضع الشيء الذي يُؤخذ ويُوزّع إلى وضع الكائن الذي يشعر بما يقع عليه.
وفي هذا التحول تبرز رؤية القصيدة إلى المكان: الأرض ليست موردًا خارج الإنسان، ولا حدودًا تفصل جماعةً عن أخرى فحسب؛ إنها جزءٌ من ذاكرته، ومن شروط انتمائه، ومن المعنى الذي يمنحه لحياته. وحين تُنتزع منه، لا يفقد موضعًا يقيم فيه فقط، بل يفقد جزءًا من العلاقة التي تربطه بذاته.
إن الجرح الذي يبدأ في الجسد يتسع هنا حتى يشمل الأرض، ثم يعود من الأرض إلى الأجساد التي ترث الحكاية. وبذلك تتشابك الدائرة: جسدٌ يحمل أثر التاريخ، وتاريخٌ يعيد إنتاج أثره في الجسد.
الخوف الذي يشنق نفسه
في الصورة الختامية، حين يبلغ الخوف حدَّ أن يشنق نفسه في خوفه، تنتقل القصيدة إلى واحدةٍ من أكثر مفارقاتها كثافةً. فالخوف الذي يبدأ شعورًا داخل الإنسان يتحول إلى قوةٍ تعاقبه، ويعيد إنتاج الألم من داخله.
إنها صورة تتجاوز وصف الفزع إلى الكشف عن آليةٍ نفسية عميقة: قد يستمر القهر في الإنسان بعد أن يغيب مصدره المباشر، وقد تتحول الذاكرة إلى سلطةٍ داخلية تعيد عليه التجربة، حتى يصبح الخوف حارسًا لسجنه.
وفي هذا المعنى، لا يكون الإنسان أسير ما حدث له وحده، وإنما لما تركه الحدث في وعيه. قد تنتهي الواقعة في الزمن الخارجي، لكن أثرها يظل قادرًا على تنظيم الحاضر، وعلى جعل الاحتمالات المقبلة امتدادًا متخيّلًا للخطر القديم.
تمنح صورة الشنق هذا المعنى جسدًا حادًا؛ فالخوف لا يكتفي بتقييد صاحبه، وإنما يتخذ هيئة اليد التي تنهيه. إنه يجمع في لحظةٍ واحدة بين الجلاد والضحية، ويكشف كيف يمكن للعنف أن يستقر في الداخل حتى يصبح الإنسان طرفًا في إعادة إنتاج معاناته.
وهنا تلتقي نهاية القصيدة ببدايتها. فالولد الذي مرض بحرفه، والجسد الذي حمل رخامه، والوطن الذي ظل حاضرًا في الذاكرة، كلها وجوهٌ لتجربةٍ واحدة: تجربة الإنسان حين لا يستطيع أن يترك ما أصابه خلفه بسهولة.
ولعل الشعر، في مواجهة هذا المصير، لا يعد بالخلاص، لكنه يمنح الخوف فرصةً لأن يُرى خارج عتمته، وأن يتحول من قوةٍ مبهمة إلى صورةٍ قابلة للفهم. وهذه إحدى وظائف الفن العميقة: أن يضع التجربة أمامنا، لا لكي يختصرها في إجابة، وإنما لكي يفتح داخلها طريقًا إلى الوعي.
محمد كنعان؛ حين تصبح الصورة طريقةً في التفكير
ما يمنح «جسد من رخام يتيم» جدارتها بالتأمل هو أن صورها لا تعمل في مستوى الوصف وحده؛ إنها تحاول التفكير بالشعر. الرخام لا يكتفي بأن يكون مادةً، والحرف لا يبقى أداةً، والبلاد لا تُختزل في مكان، والخوف لا يظل انفعالًا. كل عنصرٍ ينتقل من دلالته الأولى إلى مجالٍ أوسع، حيث تتغير علاقته بما حوله.
هذه القدرة على نقل المعنى من حقلٍ إلى آخر هي من أسرار المجاز الشعري. فالاستعارة الحقيقية لا تستبدل كلمةً بأخرى فحسب؛ إنها تخلق علاقةً لم تكن ظاهرةً من قبل، وتجعل القارئ يرى الشيء من زاويةٍ جديدة. وحين يمرض الحرف، أو تتكلم لغة الرخام، أو يشنق الخوف نفسه، فإن اللغة تعيد ترتيب ما نظنه مستقرًا، وتكشف عن روابط كامنة بين الجسد والوعي والتاريخ.
وفي هذه المساحة يلتقي البعد البلاغي بالبعد الفلسفي. فالصورة ليست زينةً معلقةً على فكرةٍ جاهزة، وإنما هي الطريقة التي تتكون بها الفكرة نفسها. نحن لا نصل إلى معنى الجسد بعد أن ننتهي من الصورة؛ بل نفهم الجسد من خلال الصورة، ونكتشف أن ما حسبناه مادةً صامتة يحمل ذاكرةً وصراعًا ومصيرًا.
وتلك ميزةٌ تستحق الاحتفاء في تجربة محمد كنعان: أنه يفتح للقصيدة أكثر من باب، ويجعل الصورة قادرةً على حمل التجربة الفردية والذاكرة الجماعية في آنٍ واحد. فالجسد لا ينفصل عن الأرض، والكتابة لا تنفصل عن الوجع، والغياب لا يكتفي بأن يكون نقصًا، بل يتحول إلى حضورٍ من نوع آخر.
إن تعدد هذه المستويات يمنح النص مساحةً للتأويل، ويجعل العودة إليه ممكنةً من زوايا مختلفة. فالقارئ الذي يبدأ من العنوان قد يصل إلى فلسفة الجسد، والذي يبدأ من الوطن قد يجد نفسه أمام سؤال الذاكرة، والذي يتوقف عند الحرف يكتشف علاقةً ملتبسةً بين الإبداع والألم.
وهنا لا يحتاج النقد إلى أن يحمّل القصيدة ما ليس فيها، ولا إلى أن يرفعها بالمبالغة؛ يكفي أن يصغي إلى صورها حين تبلغ فرادتها، وأن يبيّن كيف تتسع العبارة القصيرة لمعنى يتجاوز حدودها.
الخاتمة: الجسد الذي لم يستطع العالم أن يُسكت ذاكرته
في «جسد من رخام يتيم»، لا يبقى الرخام حجرًا، ولا يبقى الجسد مادةً عابرة، ولا تظل اللغة وسيلةً محايدةً للكلام. كل شيءٍ يدخل في علاقةٍ جديدة مع ما يحيط به؛ فالحرف يحمل المرض، والبلاد تسكن الحواس، والعطر يستعيد الغائب، والجرح يتناسل في الذاكرة، والخوف يتحول إلى سجّان نفسه.
ومن هذه العلاقات تتشكل الرؤية التي تمنح القصيدة بعدها الإنساني: الإنسان ليس ما يراه الآخرون منه فحسب، وإنما ما يحمله في داخله من آثارٍ لا تظهر كلها على سطحه. قد يبدو صلبًا كالرخام، فيما يسكنه يُتمٌ لا يُرى؛ وقد يملك اللغة، فيما تظل اللغة نفسها موضعًا لألمه؛ وقد يغادر المكان، فيما يبقى المكان مقيمًا فيه.
إن أجمل ما تتركه هذه القصيدة في قارئها أنها تعيد النظر في المسافة بين المادة والروح، وبين الحضور والأثر، وبين الجرح والذاكرة. وهي مسافةٌ لا تُختصر في إجابةٍ واحدة؛ لأن ما يجعل الإنسان إنسانًا هو قدرته على حمل التناقضات، وعلى مواصلة الحياة فيما يظل جزءٌ منه منشغلًا بما فقد.
محمد كنعان يضع أمامنا جسدًا يبدو من رخام، لكنه لا ينجو من اليُتم؛ جسدًا يحمل آثار المكان والزمن والرغبة والخوف، ويحاول أن يمنحها لغةً تستطيع أن تعبر إلى الآخرين. وفي هذا المحاولة يكمن رهان الشعر: أن يمنح ما يتعذر قوله هيئةً، وأن يوقظ في اللغة ما ظنناه صامتًا، وأن يجعل من التجربة الفردية نافذةً نرى منها شيئًا من التجربة الإنسانية الأوسع.
فالقصيدة، في أعمق طبقاتها، ليست حكاية جسدٍ فقد سندَه، وإنما حكاية ذاكرةٍ تبحث عن جسدٍ يحملها؛ وحين تعثر على اللغة، لا تتخلص من وجعها، لكنها تكف عن أن تكون وحيدة.
النص
جسد من رخامِ يتيم
وَحدي وَمِن لغَةِ الرخامِ
خَرَجت أحكي قصَةَ الوَلَدِ المَريضِ بِحَرفِهِ
كَيفَ ارتَقى مِثلَ البَنَفسَجِ
مستَريحَاً يحتَسي قَلَقَ الطَريقِ بِعنفِهِ
كَيفَ اشتَهاه المَوت
طَعمَ بِلادِهِ وَأَضاعَ خارِطَةَ الوصولِ بِحَتفِهِ
وَلَدٌ بَكَته الريح خائِفَةً
مِنَ الفوضى الَتي كَسَرَت رَوائَحَ لطفِهِ
الأرض توجِعه
تَضيق عَلَيهِ كاللغَةِ
القَديمَةِ في تَنَهدِ أفِهِ
كان الزَمان يَدور في
يَدِهِ وَيَعزِف ما يَراه
الكَون لَحظَةَ ضَعفِهِ
يَمشي عَلى وَجهِ المَدينَةِ حافِياً
لَم يَدرِ ما صَنَعَت خشونَةِ خفِهِ
متَهالِكٌ مِن قيدِهِ المَكسورِ
والتَعَبِ المؤَجَلِ في
مَلامِحِ كَفِهِ
شَفَتاه
قَوسٌ مِن ضَجيجِ
الضَوءِ والنِورِ المرَتَلِ
مِن بَراءَةِ طَيفِهِ
جدرانه عَيناه
مغمَضَتانِ
كَالوَطَنِ المعَلَقِ
في كهولَةِ سَقفِهِ
وَيَداه
تَقتَنِصانِ فرصَةَ عَتقِهِ
مِن عِطرِ سَيِدَةِ تَنام بِنَزفِهِ
وَسَريره المَملوء
صَمتَاً لَم يَجِد
صَوتَاً مِنَ الدنيا
يَنام بِجَوفِهِ
أغوَته موسيقاه
بالحزنِ اللذيذِ
وَهَدَأته لِيَستَريحَ
بِعَزفِهِ
كل الَذينَ تَناسَلوا مِن خَصرِهِ
المَجروحِ كانوا إخوَةً في كَهفِهِ
لَم يعذِروه
كَأنَه مِن ضِدِهِ
وَتَقاسَموه وَبادَلوه بِنِصفِهِ
طَرَقَ الوجودَ
تَناثَرَت أغصانه
والفاتِحونَ "تَفَنَنَوا"
في قَطفِهِ
والحامِلونَ سِلالَهم
ظَنوا
بكاءَ الأرضِ
مختَبِئَاً بِغَمزَةِ
طَرفِهِ
لكِنَه _مِن دونِ شَكٍ_شاعِرٌ
سَبَق الجَميعَ إلى غَياهِبِ رَفِهِ
واختارَ مِن تَعَبِ الغبارِ صَديقَه الأَزَلِيَ
واسترضى نِهايَةَ وَصفِهِ
واحتاج
مشنقةً ومغفرةً وسيدةً
ليشنقَ خوفَه في خوفِه

