ريم ماهر تكتب...."أفيقي يا أمة النيل"
أما آن لك أن تصحي من غفلتك، وتنهضي من كبوتك، وتكشفي عن وجهك قناع الذلّ والهوان؟ كيف تجتمع الأنهار الجارية والحقول الزاخرة بالخيرات، ثم يمسي أهلك جياعًا يتضوّرون، ويصبحون عراةً يستغيثون؟ أليس في أرضك خير وفير، وثروات تحسدك عليها الأمم؟ أم أن الخيانة استوطنت الديار، وسلّم القوم أمرهم إلى لصوصٍ لا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمّة؟
أنتِ أمةٌ بارك الله أرضها بمياهٍ تجري في عروقها كدماء الشرفاء، وزيّنها بخيراتٍ لو وزّعت على الأرض لكفتها، ومع ذلك، نرى الصغار يتضاغون جوعًا، والكهول ينظرون إلى أرغفة الخبز كأنها لآلئ مكنونة. أهذا جزاء ما وهبك الله من نعمة؟ أم أنك بعت النعمة لمن لا يعرف للوفاء عهدًا؟
ثروات تُنهب، وأرضٌ تستصرخ أهلها
ويلٌ لقومٍ يُساقون إلى الجوع سوق الأنعام، وهم على أرضٍ تُنبت الذهب، وتتفجّر خيرًا! كيف تملكين الماء ولا تروين ظمأ أطفالك؟ كيف تتربعين على آبار البترول، ثم تستوردين كسرة خبزك؟
أما علمتِ أن أرضك كانت مهد الحضارات، وأنكِ في سالف الزمان كنتِ سيدَة الأمم؟ أما قرأتِ عن بابلَ وقد سادت، وعن الفراعنة وقد حكموا الدنيا بعلمهم وقوتهم؟ فأين أنتِ اليوم من عزٍّ قد مضى، ومجدٍ قد ولى؟
ويحكم! أما ترون كيف استولى الفاسدون على خزائنكم، وكيف جمعوا الذهب في بطونهم، ثم تركوا الناس في عريٍ ومسغبة؟ أما سمعتم عن أرزاقكم التي تُباع في الأسواق، وعن خيراتكم التي يُساوم عليها في مجالس اللئام؟
إن في أرضكم بركةً لو أحسنتم استغلالها، لكان لكم في الدنيا سلطان، وفي الآخرة برهان.
(بين الفساد وخيانة الداخل)
ويح الفساد كيف يفتك بالأوطان، كما يفتك الداء بالجسد الواهن! لقد رأينا كيف ينشأ اللص من رحم الخيانة، وكيف يأكل القويّ مال الضعيف، فلا يترك له إلا العظام، ولا يُبقي له إلا الرماد!
ما أكثر السارقين في قومك! يلبسون ثوب الصلاح وهم في باطنهم ذئاب، ويتكلمون باسم الشعب وهم يسرقون خبزه، ويهتفون باسم العدل وهم أول من يقتل.
الدول النفطية… نعمةٌ صارت نقمة
حسبتم أن النفط رفعة لكم، فإذا به يُستعبد به شعبكم، ويُباع بثمنٍ بخس لمن لا يرحمكم! ملكتموه، لكن لم تملكوا قراركم فيه، فكان سيفًا على رقابكم، بدل أن يكون درعًا يحميكم.
أما رأيتم كيف تحولت بلاد الرافدين، مهد الحضارات، إلى خراب بعد أن استباحها الغرباء؟ كيف نُهبت ثرواتها، وبقي أهلها في ضيق العيش، كأنهم لا يملكون تحت أرجلهم شيئًا؟
أما آن الأوان أن تصحوا من غفلتكم، وتدركوا أن عزّتكم في يدكم، لا في يد من يتحكم بكم؟
الزراعة… الكنز الذي نسيتموه
ويلٌ لأمةٍ تملك الأنهار ولا تعرف كيف تسقي أرضها، وتملك السهول ولا تحسن زرعها! كانت مصر سلة غذاء الدنيا، وكان العراق شامخًا بخصوبة أرضه، والسودان أرضه تحاكي الجنان، فما الذي حلّ بكم حتى صرتم تستوردون قمحكم، وتنتظرون من غيركم أن يطعمكم؟
يا أهل الأرض الخصبة، أما آن لكم أن تعودوا إلى أرضكم، فتجعلوا منها جنة كما كانت؟ أما آن للزراعة أن تعود، وللأرض أن تُروى، وللزرع أن ينبت؟
الصناعة… بابٌ إلى العزّ مغلق
ألم تروا كيف أغلقوا عليكم أبواب الصناعة، وأبقوكم في فلك الاستيراد، حتى لا يكون لكم بين الأمم مكان؟ ألم تروا كيف صنعت اليابان مجدها بلا نفط، وكيف قامت كوريا بلا ذهب، فكانت لهم مكانة بين الأقوياء؟
أما أنتم، فلكم الذهب في أرضكم، لكنّ عدوّكم قد شدّ وثاقكم، فلا تبنون، ولا تصنعون، ولا تملكون من أمركم شيئًا!
متى تستيقظ الأمة؟
يا أمة النيل والفرات، يا أمة البترول، أفيقي قبل أن يسبقك الركب، وتصبحين أثرًا بعد عين! أفيقي، فقد عاث فيك الفساد، واستحكمت فيك العلل، حتى كاد اليأس يتملّك القلوب.
لن ينفعكِ النفط، ولن يغنيكِ النهر، إن لم تملكي قراركِ، وإن لم تكوني سيدة أمركِ!
فإما أن تنهضي فتستعيدي مجدكِ، وإما أن تبقي في أسر الذلّ، تبيعين كرامتكِ بثمنٍ بخس!
بقلم/
ريم ماهر.
