جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

"وما زال رحيل أبي كسرًا لا يُجبر"


 




ريم ماهر تكتب..... 

ما الموت إلا سهم نافذ يسبق الأجل، لا يخطئ مرماه، ولا يردّه رجاء ولا استعطاف. يهوي على القلوب فيكسرها، وعلى الأرواح فيسلبها السكينة، فما ترك بيتًا إلا أثقله بالحزن، ولا دارًا إلا ملأها بالوحشة. هو النازع للأنس، الهادم للعهود، المفرّق بين الأحبة، يختطفهم في غفلة منا، ويخلّف وراءه فراغًا لا يملؤه الزمن، ولو امتد دهرًا. وإن كان الفقد موجعًا في كل حال، فإن موت الأب لوعة لا تبرأ، وغصّة لا تذوب، فهو السند الذي لا يميل، والركن الذي لا يتصدّع، واليد التي لا تُخذل من استند إليها.


رحل أبي، وما كان الثرى يومًا أهلًا لأمثاله، لكن قضاء الله نافذ، لا مردّ له ولا تبديل. أواه يا أبي، كيف خلت منك الدار، وكيف أُسدلت ستائر الغياب على وجهك المضيء؟ أين ذلك الصوت الذي كان يبعث الطمأنينة في جنبات البيت، وتلك الخطوات التي كنا نأنس بها إذا اقتربت؟ كأن الدار أضحت مقبرة، جدرانها صامتة، أركانها موحشة، لا يُسمع فيها سوى همسات الحنين، ولا يُرى فيها إلا طيف الذكرى.


يا أبي، أما قلت لنا يومًا ألا نخاف وأنت بيننا، فكيف لا نخاف الآن وقد غبت؟ كيف ننام قريري العين وأنت لم تعد تسهر علينا؟ أي درب نسلك بعدك، وقد كنت أنت الدليل والرفيق؟ لقد مضيت، لكنك لم تأخذ معك إلا الجسد، أما الروح فما زالت هنا، تحلّق في زوايا البيت، تسكن ملامحنا، تنبض في قلوبنا، كأنك لم ترحل إلا قليلًا.


ما أصعب الشوق حين لا سبيل إلى اللقاء، وما أمرّ الدمع حين لا يُغني عن الفقد شيئًا. كم مرة ناديناك فلم يجبنا إلا الصدى؟ كم مرة حدقنا في صورتك نرجو أن تتكلم عيناك؟ كم ليلة بكيناك حتى جفّت المآقي؟ لكن هيهات أن يعود الراحل أو يلتفت الميت لمن يناديه.


يقولون إن الموت نهاية، لكنه لم يمحُك من قلوبنا، ولم يطفئ ذكرك بيننا. لا تزال كلماتك تسري على ألسنتنا، وسيرتك العطرة تملأ مجالسنا، وكأنك حاضر لا تغيب. سنحفظ عهدك، ونسير على خطاك، وسنظل ندعو لك في كل صلاة، لعل الله يجمعنا بك في مستقر رحمته، حيث لا حزن ولا فراق ولا وداع.


يا أبي، لو كان في الدمع حياة، لأحييناك به. لو كان الشوق جسرًا، لعبَرْنا إليك. لو كان الموت بابًا، لكنا أول الداخلين. لكنك خلفتَنا في دنيا خاوية، لا دفءَ فيها ولا ظل، ولا وجه يشبه وجهك، ولا صوت يطرد الخوف كما كان صوتك. فما لنا إلا الدعاء، وما لنا إلا الرجاء أن يجمعنا الله بك حيث لا موت بعد اليوم، حيث اللقاء الذي لا يقطعه فراق، وحيث العناق الذي لا يليه وداع.


اللهم، آنس وحشته، وأكرم نزله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واغفر له بقدر ما زرع في قلوبنا من حب، وبقدر ما ترك في حياتنا من أثر، وبقدر ما في قلوبنا من شوق لا يفتر، فقد اشتقنا يا الله حتى كاد الشوق يقتلنا.


بقلم: 

ريم ماهر 



إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022