القرين لا يموت بموت صاحبه.
ريم ماهر تكتب....
سبحان من خلق الإنسان من طين، ثم جعل له قرينًا من نارٍ وجحيم، فلا يفتأ القرين يوسوس لنفسه، ويهمس في أذنه، يراوده في يقظته ورقدته، حتى يكون له في دنياه خصمًا لدودًا، أو حليفًا معقودًا. فمنذ أزمان بعيدة، جرت الألسن بالحديث عن القرين، واحتارت العقول في كنهه، أتراه روحًا خفيَّة تسري في الجسد كما تسري النار في الهشيم؟ أم تراه شيطانًا مرصودًا، كُتب عليه أن يلازم العبد حتى يسلمه إلى مثواه الأخير؟ غير أن سؤالًا أعظم شأنًا، وأثقل وزنًا، قد ظل يتردد في الأفئدة ويدور في الأذهان: هل يموت القرين بموت الإنسان؟ أم أنه يظل هائمًا في ظلال الدنيا، متمسكًا بذكرى صاحبه، لا يبرح الأرض حتى يبعث الله الخلق من مراقدهم؟
ماهية القرين: بين الحقائق والأساطير
أقسم الله في محكم تنزيله أن لكل امرئ قرينًا، فقال جل من قائل: "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" [ق: 27]. فكان هذا دليلاً قاطعًا على أن للمرء من الجن رفيقًا، يبيت معه ويصبح، يشهد عليه ما يعمل، ويخطو في أثره حيث حلَّ وارتحل. وقد جرى ذكر القرين في أخبار الأوائل، فقالت العرب: هو ذاك الصوت الخفي الذي يسمعه المرء في سره، وهو الخاطر الذي يجوس خلال الفكر، وهو ذلك الدافع الغامض الذي يجذب العبد نحو فعل الخير أو يدفعه نحو دروب الشر.
وقد انقسم الناس في أمر القرين إلى مذاهب شتى، فمنهم من زعم أنه جزء من روح الإنسان، متصل به في البدء، منفصل عنه في المآل، ومنهم من قال إنه مخلوق من الجن، مسخر ليكون رقيبًا لا يفارقه حتى تفيض الروح إلى بارئها. أما أهل الحكمة والعلم، فقد جنحوا إلى الرأي الأخير، وقالوا: إن القرين شيطان موكل بالإنسان، لا يعينه إلا على الباطل، ولا يرشده إلا إلى الضلال، حتى يكون الإنسان في جهاد دائم بين نزعات الخير ووساوس الشر.
مصير القرين بعد الموت
حينما تحين ساعة المرء، وتُنتزع الروح من بين جنبيه، ويعود الجسد إلى الأرض التي منها خُلق، يظل القرين حائرًا تائهًا، قد انقطع عنه من كان يعمر معه الدار، وتبدد في فؤاده ما كان يجمعه بصاحبه من وساوس وأسرار. غير أن بعض الأقاويل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتزعم أن القرين لا يهلك بفناء الجسد، بل يبقى متربصًا في الأرض، هائمًا في جنباتها، يلتقط أثر صاحبه، ويفشي سره، ويثير الرهبة في نفوس الأحياء، يظهر في الأحلام، ويهمس في الآذان، كأنما يرفض الاعتراف بأن رحلته قد انتهت.
وهنا، يطرح العقل سؤالًا عسيرًا: إن كان القرين من الجن، وقد علمنا أن الجن أرواح باقية لا تموت إلا بأمر الله، فهل يكون للقرين أجل محدود، أم يظل حتى يُبعث الناس من مراقدهم؟ أهل المعرفة يقولون إن القرين يُترك بعد موت صاحبه، حتى تنقضي حكمته من ملازمته، فيُساق إلى حيث يأمره الله، فمنهم من يبقى ليعيث في الأرض فسادًا، ومنهم من يذهب إلى شأن غير معلوم، لا تبلغه مدارك الإنس، ولا تحيط به علومهم.
أثر القرين بعد الفناء
إن كان القرين رفيق الإنسان في الحياة، فهل يستمر تأثيره بعد الممات؟ يروي كثير من الناس قصصًا عجيبة، عن أصوات يسمعونها، أو ظلال تباغتهم، أو كلمات تنبعث من العدم فتخترق آذانهم. ويقول بعض الحكماء إن تلك الأقاويل ما هي إلا صدى لما كان يجول في عقل المتوفى قبل موته، أو أن القرين، وقد ألف رفيقه، يظل متشبثًا بمكانه، كأنما يأبى الفراق.
وقد زاد من غموض هذا الأمر، ما ورد في بعض الروايات من أن القرين قد يتلبس بهيئة صاحبه، ويظهر لمن كان يعرفه، وكأن روحه لا تزال تحوم حولهم، فيرونه في ظلمات الليل، ويسمعون نبرته في الريح، فيُخال إليهم أن الميت لم يغادرهم، وأن هناك من يسير في الأرض باسمه، وإن لم يكن هو. وقد زاد ذلك من الاعتقاد بأن القرين لا يموت بموت الإنسان، بل إنه يظل عالقًا بين العوالم، غير مصرح له بالرحيل، ولا مأذون له بالبقاء على حاله.
إننا في هذه الحياة محاطون بالأسرار، محفوفون بالخفايا، وما القرين إلا واحد من تلك الألغاز التي ما زالت تثير العقول وتحير الأفهام. وإنه لعمري لعجيب أن يظل المرء طوال حياته مكشوفًا أمام عينٍ خفيَّة، تراقبه، وتستدرجه، وتحاوره في سره، ولا تفارقه حتى يسكن قبره. فهل نحن وحدنا في هذا الوجود؟ أم أن هناك من يتربص بنا، حتى بعد أن تُطوى الصحائف، ويكتب الله علينا الرحيل؟ ذلك سؤال، لا يعرف جوابه إلا الذي يعلم السر وأخفي.
بقلم:
ريم ماهر
