دجالون في الظلام...حين يفتح الإنسان أبواب الشر.
ريم ماهر تكتب...
منذ الأزل، والإنسان يحمل في قلبه شوقًا عميقًا لمعرفة الغيب، ورغبة لا تنتهي في استكشاف المجهول وفك عقد القدر، خاصة في اللحظات التي يعجز فيها العقل عن الفهم، ويسود فيها الظلام وتغيب عن الأفق الإجابات الواضحة. مع هذا الشوق الفطري، نشأت بعض الظواهر الغريبة التي جعلت البشر يظنون أنهم قادرون على التسلل إلى ما وراء الأفق، والتحكم في مصيرهم بطرق غير مألوفة. وقد برز بين هؤلاء بعض الأشخاص الذين ادّعوا امتلاك مفاتيح السماء والأرض، وتسلطهم على قوى غير مرئية قد تضمن لهم السيطرة على البشر إذا ما قوبلوا بالطقوس والقرابين التي لا تحصى، بل ولا تُعدّ. هؤلاء هم الدجالون، أو كما يُعرفون في الأوساط الشعبية بـ"المشايخ الروحانيين". ولكن لا علاقة لهم بالنور، بل هم في الحقيقة صنّاع الظلام.
فالدجال ليس مجرد شخص عابر يبيع أوهامًا للناس، أو يدّعي أنه يملك الحلول لجميع مشاكلهم. الدجال هو وسيط فعلي بين عالمين متوازيين: عالم البشر، وعالم الجن. يتقن لغة الجن، لا حبًا في معرفة أسرارهم، بل طمعًا في السيطرة والهيمنة عليهم، لتحقيق مآربه الشخصية. ورغم أن الطريق الذي يسلكه الدجال قد يبدو في البداية كطريق وعر، إلا أنه يبدأ دومًا بطيء الخطى، يُحيط نفسه بكلمات معسولة وأسلوب خداع مبتكر، ليقنع الناس بقدرته على حل مشاكلهم المستعصية. والواقع أن ما إن يبدأ هذا الطريق حتى يسلكه بعمق، فيدخل في طقوسٍ دنسة، مليئة بالمعاصي والانحرافات عن الصراط المستقيم. فلا يدخل عالم الجن إلا بعد أن يهين كل ما هو مقدس، من آيات قرآنية، إلى وضوء وصلاة، بل قد يصل به الحال إلى أن يتنازل عن ذكر الله عزّ وجلّ.
وأشهر الوسائل التي يعتمد عليها الدجالون لاستحضار الجن تكون عبر استخدام العزائم، الطلاسم، النجاسات، الكتابات المقلوبة، القرابين، بل وأحيانًا أجزاء من جسد الضحية، مثل الشعر، الأظافر، أو الدم. إن هذه الطقوس التي يقوم بها الدجال تمثل استحضارًا للجن، ولكن بشروط مشبوهة، فمن جهة، يضمن الدجال طاعة الجن له، فيستمر في ممارسة طقوسه بشكل متسلسل، ومن جهة أخرى، يشترط على الجن ألا يطلب الخير أبدًا. لأن الجن، وبخاصة الشياطين منهم، لا يعاونون البشر في الخير، بل يُطيعون فقط من كان مثلهم: عاصيًا لله، خارجًا عن طاعته.
وتبدأ المأساة عندما يتسلل الجن إلى عالم البشر عبر هذه الطقوس المشبوهة. ورغم أن الجن لا يظهر فجأة، بل يتسلل في البداية بصمت، إلا أنه يبدأ في العبث بالنفس البشرية، فتتغيّر سلوكيات الإنسان، وتُقلب علاقاته العاطفية والاجتماعية رأسًا على عقب. كم من زوجين انفصلا بلا سبب منطقي؟ وكم من فتاة تعطّلت حياتها بعد زيارة واحدة لدجّال، فتجد نفسها في حالة من الشلل الذهني والعاطفي؟ وكم من شاب هجَر صلاة الجماعة، وتراجع عن طريق الهداية، ليغرق في ظلام الاكتئاب؟ الواقع أن هؤلاء الناس لم يكونوا يعانون من أمراض نفسية أو جسدية، بل كان الأذى الذي وقع عليهم هو نتيجة لسحر مُسلّط عليهم من قبل ساحر أو دجّال.
والأخطر من ذلك، أن كثيرًا من الناس يذهبون إلى هؤلاء الدجّالين طواعية، فيظنّون أنهم سيجدون الشفاء أو الحلول لمشاكلهم عبر الطقوس والقرابين التي يطلبونها. يبدأ الأمر بآمال كبيرة في قلوبهم، وتوقعات بأنهم سيحققون مبتغاهم، إلا أنهم في النهاية يخرجون أسوأ حالًا مما دخلوا. فعندما يتعامل الإنسان مع الدجّال، فإنه يفتح بابًا مظلمًا في حياته، بابًا لا يُغلق بسهولة، ولا يخرج منه إلا وقد دفع الثمن غاليًا. وقد تدمّر روح الإنسان، أو يُسرق عقله، أو تُفرّق علاقاته العائلية، أو يُعلّق بوهم لا يمكنه التخلص منه. الدجّال لا يعالج، بل يزيد الأذى، ويوسّع دائرة المعاناة.
يُظهر الواقع العديد من الحالات التي دخل أصحابها إلى عالم الدجّالين على أمل أن يجدوا العلاج لمشاكلهم، لكن النتيجة كانت مدمرة. هناك فتاة، على سبيل المثال، كانت قد تأخرت في الزواج، فذهبت إلى أحد الدجّالين ليحلّ لها السحر الذي يعتقدون أنه قد أُلقي عليها. بعد تلك الزيارة، بدأت حالتها تتدهور أكثر، وكان السحر الذي استعان به الدجّال قد أُعيد توجيهه ضدها بشكل أكثر شرًّا. وقصة رجل آخر لجأ إلى دجّال على أمل أن يعيد له زوجته، فعاد وهو ممسوس من الجنّ، لا يستطيع النوم من شدة التوتر والهلع، وكان يصرخ ليلًا، ويشتم الله نهارًا. أمثلة كثيرة تُظهر أن هؤلاء الدجّالين لا يسعون لحل المشاكل، بل يغرقون الضحايا في مستنقع من الألم والضياع.
في بعض الحالات، قد يكون العلاج الوحيد المتاح للضحايا هو الرقية الشرعية، ولكن في العديد من الحالات الأخرى، يصبح الشخص قد تعلّق نفسياً بالدجّال. ففي هذه الحالة، قد يظن الضحية أنه لا يستطيع الخروج من معاناته إلا على يد ذلك الدجّال، فتصبح هناك علاقة نفسية مؤذية، تتجاوز حدود المعالجة الروحية. يُطيع الضحية أوامر الدجّال، يهمل صلاته، ويعيش في حالة من القلق المستمر، فيعتقد أن الجنّ قد أصبحوا جزءًا من كيانه، ولا يستطيع التخلص منهم.
والأمر المؤسف هو أن الكثير من الناس لا يدركون حقيقة خطورة التعامل مع هؤلاء الدجّالين، فهم يتعاملون معهم وكأنهم ملاذ أخير، غافلين عن أن الجنّ لا يؤذون البشر إلا إذا فُتح لهم الباب. والدجّالون هم هؤلاء الذين يفتحون هذا الباب المظلم، الذي يدخله الإنسان طواعية، ليُحاصر في النهاية في حلقة مفرغة من الأذى والخداع. إذا كان الجنّ موجودين بالفعل، فإن تسليطهم على البشر لا يحدث إلا عبر مداخل محددة، وأخطر هذه المداخل هو الدجّالون. هم الذين يقومون بتفعيل الأذى، ويبيعون الإنسان للجنّ بثمن غالٍ، مقابل الحصول على مصلحة دنيوية مؤقتة، وعلى حساب روحه وعقله.
إن خطر الدجّالين لا يقتصر فقط على الأذى النفسي والجسدي الذي يتسببون فيه للناس، بل يمتد إلى تأثيرهم السلبي على المجتمع ككل. فهم لا يعملون بمفردهم، بل ينشرون أفكارهم وتوجهاتهم، ويجعلون الآخرين يعتقدون أن هناك حلولًا سريعة لمشاكلهم، ما يؤدي إلى خلق بيئة مشبعة بالخرافات والأوهام. هذا النوع من التفكير يشكل تهديدًا للوعي الجمعي، ويقوض التقدم العلمي والفكري في المجتمعات. بدلًا من أن يتحلى الناس بالصبر واللجوء إلى الحلول العقلانية، يسعون إلى حلول سريعة وغير واقعية، مما يجعلهم يضيعون في دوامة لا نهاية لها من المعاناة.
لذلك، فإن أول خطوة في النجاة ليست فقط في اللجوء إلى الرقية الشرعية، بل في وعي الناس وتحذيرهم من هؤلاء الذين يروجون للخرافات والأوهام. إن على المجتمع أن يتحرّر من الوهم، وأن يُغلق كل الطرق التي يُفتح فيها الباب للجنّ والدجّالين، وأن يدرك أن الحقيقة الوحيدة هي أن لا أحد يمتلك مفاتيح الغيب سوى الله سبحانه وتعالى. هذا الوعي هو الدرع الواقية ضد شر هؤلاء الذين يسعون لتدمير الأرواح والعقول، ويجب على المجتمع أن يكون حذرًا من الوقوع في مصيدتهم.
إن العلاج الحقيقي يبدأ من العودة إلى الله، والتوبة من كل ذنب، واللجوء إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، فهي الشفاء من كل داء، مهما كان نوعه. كما أن الدعاء، والإكثار من ذكر الله، والحفاظ على الصلاة، هي الوسائل التي تحفظ الإنسان من الوقوع في شباك الدجّالين، وتحميه من شرر الجنّ والشياطين.
بقلم:
ريم ماهر.
