جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

تأملوعي

الكائن المُصنع الذي أكلنا.


 ريم ماهر تكتب...

لم يكن الهاتف سوى أداة اختراعٌ بشري جاء ليقرّب البعيد، وليُسمع الصوتَ حيث لا يصل الخطو. كان وسيلة، مثل العجلة، مثل المصباح، مثل القلم... له وظيفة محدّدة، نستدعيه عند الحاجة، ونتركه حين نكتفي. لم يكن في نيتنا أن نصادقه، ولا أن نُحبه، ولا أن نمنحه قلوبنا وأعمارنا.


لكن شيئًا ما تغيّر... أو بالأحرى، نحن من تغيّر. الهاتف لم يبقَ هاتفًا، بل غيّر جلده شيئًا فشيئًا حتى لم نعد نعرفه، بل ولم نعد نعرف أنفسنا. صار امتدادًا للجسد، ظلًّا رقميًا نحمله في الجيب لا يفارقنا، نلوذ به في كل لحظة فراغ، نختبئ داخله كلّما ضاقت الحياة أو زاد صخبها.


الهاتف صار كائنًا حيًّا. يتنفس من بطاريتنا، يتغذّى على وقتنا، ينام على وسائدنا، ويصحو قبلنا. يسرق اللحظة ويبيعها لنا في صورة. في البداية، كان يسألنا: "هل تحتاجني؟" الآن، يهمس بخبث: "لن تقدر على فراقي." وأنت، تصدّق. بل وتُذعن.


صرنا نركض وراءه كما يركض العاشق وراء من يهجره. نفتح الشاشات كأننا نفتح نوافذ النجاة، نتفقد الإشعارات أكثر مما نتفقد نبضنا. تمشي في الطرقات منكّس الرأس، لا لأنك تتأمل الأرض، بل لأنك أسير إشعارات لا تُغني ولا تُسمن. صرتَ لا ترى العالم، بل تمرّره من خلال عدسة. لا تضحك، بل تكتب "ههههه". لا تحب، بل تضع قلبًا. لا تحزن، بل تنشر "حالتي الآن".


الهاتف اليوم لا يستخدمك فقط، بل يُعيد تشكيلك. يُعلّمك كيف تنظر، كيف تتكلّم، متى تفرح، ومتى تحزن. صرنا نعيش لنُبهر، لا لنشعر. نُصور الطعام أكثر مما نأكله، ونوثّق المشي أكثر مما نخطو، ونصوّر الطفل أكثر مما نحتضنه. كلّ شيء صار "قابلًا للنشر"، حتى الوجع.


صرنا نمسح الدموع، لا لنرتاح، بل لنبدو أقوياء أمام الكاميرا. نلبس للعدسة، لا للناس. نختار أماكن الجلوس حسب الإضاءة، لا حسب الراحة. باتت الصورة هي الأصل، والحقيقة مجرد خلفية مُشوّشة.


تدخل تبحث عن معنى الحياة، فتخرج بإعلان عن حذاء. تدخل لتشاهد مقطعًا، فتخرج بعد ثلاث ساعات، تائهًا بين وجوه وأفكار وأصوات لا تخصّك.


الهاتف لا يسرق وقتك فقط، بل يعيد برمجته. الثانية لم تعد ثانية، بل "بوست". الدقيقة؟ "قصة". اليوم؟ "تغريدة".


كل شيء تغير. حتى العلاقات تحوّلت. كنا ننتظر لقاءً بلهفة، الآن نكتفي برسالة. كنا نكتب رسائل بخط اليد، نضع فيها قلوبنا، ننتظر الرد بالأيام. الآن نرسل "إيموجي" في ثانية ونظن أننا تواصلنا.


الحب صار افتراضيًا، والخصام كذلك. الغياب يُعلن بحذف، والوداع يحدث بكتم. نحن نعيش في دوامة من ردود الأفعال الرقمية، حتى صارت مشاعرنا مجرد رموز عابرة.


والأسوأ؟ أننا نُحب هذا القيد. نُحب من يؤذينا، ونُزيّنه بأغلفة براقة. نُبدل الهواتف لا لأن القديمة لا تعمل، بل لأن الجديدة "أجمل"، وكأننا نُغيّر وجوهنا.


تخيّل... كم كتابًا لم تقرأه؟ كم فكرة لم تولد في رأسك؟ كم لحظة صادقة مرّت دون أن تشعر بها لأنك كنت هناك... في شاشة تُضيء وجهك، وتُطفئك؟ كم طفلًا كبر أمامك دون أن ترى عينيه مباشرة؟ كم صديقًا احتاجك ولم تكن حاضرا لأنك كنت مشغولًا بـ"تصفح" حياة آخرين؟ كم مرة ضحك فيها من تحب، ولم تنتبه لأنك كنت "تعدّل صورة" بدلًا من أن تراه؟


الوقت يتسرّب... لكن ليس من بين أصابعنا، بل من بين نقراتنا.


صار الصمت مريبًا. الهدوء يزعجنا. حتى لحظات الخلوة، تسرقها الشاشة. نجلس مع أنفسنا لا لنفكّر، بل لنفتح الهاتف مجددًا، ونبحث عن أي شيء... أي شيء، لننسى أنفسنا.


الهاتف اليوم لا يُراقبك فقط، بل يعرفك أكثر مما تعرف ذاتك. يعرف متى تنام، متى تحزن، من تحب، ماذا تُخفي. الخوارزميات أصبحت مرآتنا. تظن أنك تختار ما تشاهد، لكن الحقيقة: أن كل ما تشاهده اختير لك بعناية، ليُبقيك أطول، أضعف، أكثر انبهارًا... وأقل وعيًا.


صرنا نعبد التفاعل. عدد الإعجابات صار مقياس النجاح. عدد المتابعين هو رأس المال الجديد. وبات من لا يملك حضورًا رقميًا، كأنه غير موجود.


جيلٌ جديد لا يعرف وجهه إلا من خلال فلتر. لا يعرف نفسه إلا إذا صوّرها. جيلٌ إن لم يُشاهد، ظنّ أنه لم يعش. جيلٌ يرى الحياة "كونتنت"، والوجع "قصة مؤثرة".


لكن، لحظة... تخيّل لو اختفى الهاتف. هل تعرف كيف يبدو صوت قلبك؟ هل تذكر وجهك دون فلتر؟ هل تعرف كيف تتحدث مع شخص دون أن تقاطعه إشعارات؟ هل تعرف كم فكرة عظيمة قد تولد في رأسك إن جلست بصمت ساعة واحدة فقط؟


تذكر حين كنا نكتب على الورق؟ نخطئ ونمحو؟ حين كنّا نلعب بالرمل، لا بالأزرار؟ حين كان للانتظار طعم؟ وللشوق معنى؟


الآن، صار كل شيء فوريًا. حتى الحب، صار بخاصية "إرسال الآن". حتى الفقد، يُنسى بـ"كتم المحادثة".


لم نعد نعيش، بل نُدير حسابًا. نُعدّل الصورة، ونراقب التفاعل، ونعيش في قلق من انخفاض المشاهدات. صرنا مديرين لحياة افتراضية، وموظفين بدوام كامل عند الهاتف.


لكن، ما الثمن؟ صحة منهكة. أعصاب مشدودة. ذاكرة مشتتة. علاقات مكسورة. ونفس تبحث عن معنى في عالم افتراضي لا يمنحه.


الهاتف لم يكن عدوًا، بل كان أداة. نحن من حوّلناه إلى إلهٍ صغير. نصلي له بأصابعنا، ونُسبّحه بنظراتنا، ونسجد له كلّما رنّ.


صار أكثر حضورًا من الله، ومنّا.


فاسأل نفسك... من تُقلب حين تقلب الشاشة؟ هاتفك، أم نفسك؟ من تُلاحق؟ إشعارات الحياة، أم الحياة نفسها؟ هل تُحب هاتفك، أم تخشى أن تُواجه ذاتك دونه؟ هل تستطيع أن تعيش يومًا واحدًا دون أن تُخبر العالم أنك عشت؟


فكر في هذا: لو أنك جمعت كل الساعات التي قضيتها أمام الشاشة، ألم يكن يمكنك أن تكتب رواية؟ أن تتعلم لغة؟ أن تُصلح علاقتك بشخص تحبه؟ أن تخرج نزهة حقيقية دون صور؟ أن تجلس مع والدك لحظة صمت واحدة قبل أن يرحل؟


ربما ضاعت كل تلك اللحظات لأننا كنا هناك، نُحرّك الشاشة بدلًا من أن نحرّك القلب.


ليس الحل أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر التعلّق. أن نستعيد وعينا. أن نُدرب أنفسنا على النظر في الوجوه، لا في العدسات. أن نتعلّم الإصغاء للصمت، ولأنفسنا. أن نحيا... دون حاجة إلى إثبات أننا نحيا.


ففي النهاية، الهاتف لن يندم إن فقدك. لكنه سرق من عمرك ما لا يُعوّض.


فاسأل نفسك، قبل أن تُقلب الشاشة التالية: من تكون... لو لم تكن متصلًا؟


هل تجرؤ أن تكون؟

بقلم:

ريم ماهر. 



الوسوم:

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022