جاري تحميل ... مجلة أيامنا

إعلان الرئيسية

كتاب أيامنا

عددنا الورقي

ترجم إلى

زيارات الموقع هذا الشهر

إعلان في أعلي التدوينة

أدب ساخر-هادف

اليوم الذي توقّف فيه الناس عن الكلام....ظاهرة غامضة تكشف الوجه الخفي للبشر.


 ريم ماهر تكتب..... 

لم يكن يومًا عاديًا. استيقظ الناس على صمتٍ كثيف، لا يشبه أي سكون عرفوه من قبل. لا أحد يتحدث. لا صراخ في الشوارع، لا ضحك في المقاهي، لا بكاء أطفال. فقط العيون تتحرّك ببطء، والأفواه مغلقة بإحكام كما لو أن خيطًا خفيًا خاطها ليلًا.


الهواتف رنّت، ولم يُجِب أحد. الرسائل قرئت، ولم يُرَدّ عليها. البرامج التلفزيونية استمرّت بلا صوت، والمذيعون يحرّكون شفاههم في فراغٍ غير مُفسَّر. العالم كله… أصابه الصمت.


في البداية، ظنّه البعض احتجاجًا عالميًا مفاجئًا. لكن لم تكن هناك مطالب. لم تكن هناك لافتات. فقط… صمت.

صمتٌ يشبه الموت، لكنه أكثر وعيًا، أكثر إدراكًا، أكثر قسوة.


البعض يقول إن البشرية صمتت لأنها قالت كل شيء ولم يُسمع صوتها.

البعض الآخر يؤمن أن الكلمات ماتت لأن المشاعر خمدت.

وهناك من يعتقد أن الوحش الذي يسكن داخلنا قرر أخيرًا أن يخرج، ولم يكن بحاجة إلى الكلام.


أصبح الناس يمرّون بجوار بعضهم كأنهم أطياف. لا سلام، لا عتاب، لا وداع، لا حتى الشتائم.

اللغة انتحرت، ودفنّاها نحن، دون أن نذرف دمعة.


بدأت ملامح الناس تتغير. لم تعد الوجوه تُفصح عن شيء. الحزن، الفرح، الغضب... كلها أصبحت درجات رمادية باهتة.

كأنّ المشاعر هربت مع الكلمات، ولم تترك لنا سوى أجساد تتحرك بتلقائية، كأنّها نسخٌ مشوَّشة من ذاتٍ كانت تعرف يومًا كيف تحب، كيف تبكي، كيف تهمس "أنا بخير" وتكون كاذبة بصدق.


في المدارس، جلس التلاميذ صامتين أمام معلمين لا يملكون شيئًا سوى السبورة.

في البيوت، صار العشاء يُقدّم بلا دعوة، ويؤكل بلا شهية، وتُرفع الأطباق كأن شيئًا لم يكن.

وفي المستشفيات، مات المرضى ولم ينادِ عليهم أحد.


حتى الكلاب توقّفت عن النباح. والقطط عن المواء.

الطيور هاجرت دون أن تودّعنا.

والبحر… ظلّ يهمس بأمواجه وحده، كأنه الوحيد الذي لم يُخنق بعد.


وفي هذا العالم الأخرس، ظهرت كائنات غريبة لا نعرف أسماءها.

كائنات تمشي بيننا، لا نعرف إن كانت بشرًا صامتين أم أرواحًا تعلّقت بعالمنا بعد أن فقدت صوتها.

يتنفسون بلا صوت، ينظرون بلا رمش، يبتسمون حينًا بلا سبب… ثم يختفون.


قيل إن من تجرّأ على الكلام في هذا اليوم… احترق من الداخل.

قيل إن الكلمات نفسها صارت سامة، وأن الحروف التي نلفظها تحوّلت إلى رمادٍ يملأ الفم.

حتى الذين حاولوا أن يكتبوا… وجدوا أقلامهم تنزف حبرًا أسودًا يرفض تكوين أي جملة مفهومة.


وفي نهاية اليوم، لم يكن أحد يعرف كيف بدأ كل هذا.


هل كانت لعنة؟

هل كانت عقابًا؟

هل كانت مرآةً مكسورة لحقيقتنا؟

هل كانت الصرخة الأخيرة لصوتٍ لم نسمعه أبدًا لأنه كان صامتًا منذ البداية؟


لا أحد يعرف.

لكن المؤكد…

أننا لم نكن بحاجة إلى الكلام لنُظهر ما نحن عليه.

فحين سكت الجميع، ظهر الوحش.



في النهاية، لم يكن الصمت مجرّد غياب للصوت… بل كان كشفًا مروّعًا لحقيقتنا.

حين اختفت الكلمات، سقطت الأقنعة. لم نعد نُخفي قسوتنا باللطف، ولا نجمّل أنانيتنا بالمجاملات.

ظهر ما كنا نحاول ستره بالنكات، والاعتذارات، والمحادثات اليومية الصغيرة.


لقد توقفنا عن الكلام، لأن الكلام لم يعد يحمل معنى.

فما جدوى الحروف إذا لم يكن فيها صدق؟

وما قيمة اللغة، إن لم تكن وسيلة للفهم، لا للهروب؟


ربما كان اليوم الذي توقّف فيه الناس عن الكلام… مجرد إنذار.

أننا على حافة التحوّل.

أننا بتنا أقرب للوحوش منا للبشر.

وأن الصمت… هو الحقيقة الوحيدة التي لم نستطع تزييفها.

بقلم:

ريم ماهر. 



الوسوم:

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أيامنا: هي مجلة ثقافية واجتماعية وشاملة تصدر عن مؤسسة شمس العرب الصحفية, كما أن المجلة تضم عددها الورقي

برمجة وتصميم © شركة أوزيان2022

برمجة المهندس © مصطفى النمر2022